بقلم / عثمان باقة
ينطلق هذا المقال من التطورات الأخيرة في فرنسا، وما أثارته من تساؤلات حول احتمال توظيف أجهزة الدولة في استهداف المعارضة السياسية، ليفتح نقاشا أوسع بشأن لجوء السلطة، حين تواجه مأزقا سياسيا أو اجتماعيا، إلى صناعة الاتهامات ومحاولة عزل خصومها بدل معالجة أسباب الأزمة. ولتوضيح هذه الفرضية، يعتمد المقال منهجا تحليليا مقارنا، ينتقل من الحالة الفرنسية إلى محطات من التاريخ النقابي والسياسي المغربي، ولا سيما أحداث 20 يونيو 1981 و14 دجنبر 1990 وحراك الريف، مع استحضار التجربة الأمريكية في ملف كوفيد-19. ولا يستهدف هذا الربط مساواة تجارب مختلفة، بل الكشف عن آليات مشتركة في إدارة الصراع بين الدولة والمعارضة، مع التمييز بين الوقائع التاريخية والاستنتاجات السياسية، وطرح سؤال جوهري: ماذا تفعل الدولة عندما تعجز عن مواجهة معارضيها سياسيا، وهل تلجأ أجهزتها إلى إضعافهم عبر صناعة روايات أمنية ضدهم؟
مقدمة: حين تتحول الأزمة السياسية إلى معركة ضد المعارضة
ليست أخطر لحظات الدولة بالضرورة تلك التي تواجه فيها احتجاجا اجتماعيا واسعا، بل تلك التي تعجز فيها عن تقديم جواب سياسي مقنع عن أسبابه ومطالبه، فتسعى إلى تحويل النقاش من مسؤوليتها عن الأزمة إلى مسؤولية المعارضين عنها، وفي مثل هذه اللحظات، قد يصبح اتهام المعارضة بالتحريض أو العنف أو التآمر أو خدمة أجندات خارجية أداة لتشويهها، وعزلها عن محيطها الاجتماعي، وتهيئة الرأي العام لتبرير مواجهتها.
هذه ليست فرضية نظرية مجردة، ولا ظاهرة محصورة في نظام سياسي بعينه، فتاريخ الصراعات الاجتماعية والسياسية، في الديمقراطيات كما في الأنظمة الأقل ديمقراطية، يقدم أمثلة عديدة عن توظيف السلطة لأجهزتها الأمنية والإعلامية، أو استثمار نفوذها السياسي، في محاولة لإضعاف الخصوم حين تعجز عن هزيمتهم في ساحة التنافس السياسي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التطورات التي تعرفها فرنسا اليوم دلالتها السياسية، خصوصا مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى حزب “فرنسا الأبية”(La France insoumise)، والحديث عن احتمال حظره، وما كشفته الصحافة بشأن توجيهات مزعومة لاستهداف الحزب في تقارير أجهزة الاستعلامات الترابية، وهي تطورات تستدعي استحضار تجارب مغربية عشناها عن قرب، في محطات مفصلية من تاريخ الحركة النقابية، كما تستدعي النظر في التجربة الأمريكية، حيث تطرح قضية منشأ فيروس كوفيد-19 أسئلة جدية عن العلاقة بين الاستخبارات والسياسة، وعن حدود الشفافية عندما تمس المعلومات مصالح الدولة نفسها.
إن المقصود هنا ليس إطلاق أحكام مسبقة بأن كل اتهام يصدر عن الدولة مؤامرة، ولا افتراض أن كل معارضة بريئة من كل خطأ، وإنما مساءلة نمط سياسي معروف: “عندما تواجه الدولة مأزقا سياسيا أو اجتماعيا، ويكون الحاكم ضعيفا سياسيا ومستبدا، قد تلجأ بعض أجهزت الدولة أو مراكز النفوذ داخلها إلى صناعة رواية أمنية تستهدف المعارضة، بدلا من مواجهة أسباب الأزمة بالحوار والمحاسبة والاستجابة للمطالب المشروعة.”
أولا: حالة فرنسا الأبية في مواجهة الاتهامات الرسمية
أعادت التطورات الفرنسية الأخيرة طرح سؤال العلاقة بين السلطة والمعارضة في الديمقراطيات الغربية. فقد كشفت صحيفة Mediapart، في تحقيق نشرته يوم 19 أكتوبر 2026، عن إفادة مفوض يعمل في أجهزة الاستعلامات الترابية تفيد بأن تعليمات صدرت، بحسب ما نقله التحقيق، لدفع عناصر إلى كتابة تقارير تربط حركة “فرنسا الأبية” بالحركة الاحتجاجية، رغم أن ذلك لا ينسجم، وفق التقييمات التي أوردها التحقيق، مع ما عاينه العاملون ميدانيا من عناصر الاستخبارات الفرنسية. وقد نفت وزارة الداخلية صدور مثل هذه التعليمات، ما يجعل القضية بحاجة إلى تحقيق جدي ومستقل لتحديد حقيقة ما جرى والمسؤوليات المترتبة عنه.
وتكتسب هذه القضية خطورتها من طبيعة الاتهام نفسه، فنحن لا نتحدث فقط عن خلاف بين حزب سياسي وخصومه، بل عن احتمال توظيف جهاز يفترض فيه جمع المعلومات وتقديم تقديرات مهنية للسلطات، من أجل إنتاج رواية سياسية جاهزة بشأن حزب معارض. وإذا ثبتت صحة ما ورد في التحقيق، فإن المسألة تتجاوز التنافس الحزبي إلى المساس باستقلالية العمل الاستخباراتي، وبحق المعارضة في ممارسة نشاطها من دون أن تتحول التقارير الأمنية إلى أداة لتجريمها سياسيا.
وفي السياق نفسه، صرح رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، وفق ما نقلته الصحافة يوم 20 أكتوبر، بأن مسألة حظر “فرنسا الأبية” يمكن أن تطرح على خلفية ما اعتبره خطابا للكراهية. وهذا التصريح، في حد ذاته، لا يثبت وجود مؤامرة رسمية، لكنه يكشف انتقال النقاش من تقييم سلوك سياسي محدد إلى طرح احتمال إقصاء حزب معارض من الحياة السياسية، وهو احتمال بالغ الخطورة في نظام ديمقراطي يفترض أن تواجه فيه الأفكار والمواقف السياسية بالنقاش والاحتكام إلى القانون.
أما جان لوك ميلانشون، فقد واجه هذه التطورات بخطاب سياسي حاد خلال تجمع لمناضلات ومناضلي حزبه، داعيا إلى الموضوعية، ومشيرا إلى المخاطر التي يمكن أن تنجم عن توظيف مؤسسات الدولة ضد حزبه. وفي هذا السياق، استحضر رئيس مجلس الشيوخ بوصفه الشخصية التي يتولى الدستور الفرنسي إسناد الرئاسة المؤقتة إليها في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية أو تعذر مباشرته مهامه في الحالات المنصوص عليها دستوريا. وتقتضي الدقة التمييز هنا بين تولي الرئاسة مؤقتا بموجب المادة السابعة من الدستور الفرنسي وبين الخلافة الانتخابية للرئاسة، فالأمر الأول لا يجعل رئيس مجلس الشيوخ مرشحا تلقائيا للرئاسة المقبلة.
ما يستحق النقاش، إذن، ليس فقط حدة الخطاب المتبادل، بل احتمال أن تتحول الاتهامات السياسية إلى مدخل لتطويق حزب معارض، وأن تتقاطع تصريحات شخصيات رسمية مع روايات أمنية غير محسومة، بما يخلق مناخا يقدم فيه الخصم السياسي بوصفه خطرا على الدولة بدلا من اعتباره طرفا في الصراع الديمقراطي.
ولا يجوز استباق نتائج التحقيق في القضية الفرنسية، أو الجزم بأن مؤامرة قد ثبتت بالفعل. لكن لا يجوز، في المقابل، التقليل من خطورة الادعاءات المطروحة، أو التعامل معها باعتبارها مجرد سجال حزبي، فاستقلال أجهزة الاستعلامات، وحياد الإدارة، وحق الأحزاب في المعارضة، ليست مسائل تقنية؛ إنها من مقومات الدولة الديمقراطية ذاتها.
ثانيا: حالة المغرب، 20 يونيو 1981، ومحاولات إضعاف المعارضة النقابية
تقدم التجربة المغربية مثالا بالغ الدلالة على كيفية توظيف الانقسامات داخل الحركة النقابية في سياق الصراع الاجتماعي والسياسي لتصفية المعارضة المستقلة بقرارها.
ففي محطة 20 يونيو 1981، أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الإضراب العام، في سياق اجتماعي وسياسي متوتر. وبعدها أعلن الاتحاد المغربي للشغل الإضراب يوم 18 يونيو، أي قبل موعد إضراب الكونفدرالية، وقد أفضى هذا التباين في التوقيت إلى مسار مختلف في التعامل مع المطالب النقابية، إذ فتحت الدولة قنوات تفاوض مع الاتحاد المغربي للشغل الذي اوحي له بإعلان الاضراب العام وفق ما أوردته العديد من الشهادات لمن عايشوا تلك الاحداث، من دون أن تتحقق المطالب الأساسية التي كانت وراء التعبئة.
لم تكن المسألة مجرد اختلاف تقني حول موعد الإضراب، فقد كان للصراع بين المركزيتين النقابيتين أثر سياسي واضح في ميزان القوى الاجتماعي، وفي قدرة الحركة النقابية على فرض مطالبها. كما عكست طريقة تعامل السلطة مع التنظيمين خطابا متباينا: خطابا يقدم الاتحاد المغربي للشغل باعتباره قوة نقابية وطنية مسؤولة وحريصة على الاستقرار، في مقابل تصوير الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بوصفها قوة مغامرة أو مسؤولة عن التوتر.
إن قراءة هذه المحطة في سياقها التاريخي تكشف أن الانقسام النقابي لا تكون نتائجه دائما محايدة، فعندما تتفاوض السلطة مع جزء من الحركة النقابية بمعزل عن الجزء الآخر، أو تستثمر اختلاف المواقف والتوقيتات، فإنها تستطيع إضعاف القدرة التفاوضية المشتركة، وتحويل الخلاف بين التنظيمات إلى عنصر في إدارة الصراع الاجتماعي، حتى لا نتهم أي طرف بما لا يمكن اثباته ماديا، لكن السياسة والتاريخ ومناهجهما تشكل أدوات مهمة للقراءة والتحليل واستعمال القرائن والاستنتاج.
وهنا تكمن دلالة التجربة: عندما تكون المعارضة النقابية قوية وقادرة على تعبئة الشارع ومدعومة سياسيا بحزب معارض قوي مسنود اجتماعيا، لا تقتصر أدوات مواجهتها على القمع المباشر؛ فقد تشمل أيضا اختراقها وتفكيك وحدتها، وعزل قيادتها، والتفاوض الانتقائي مع بعض مكوناتها، ثم تحميل الطرف الأكثر تشددا في المطالب مسؤولية التوتر الذي يرافق الاحتجاج.
ولا يعني ذلك أن كل اختلاف نقابي مؤامرة، أو أن التنظيمات النقابية لا تتحمل مسؤولية اختياراتها، لكنه يعني أن تحليل تلك الاختيارات لا يكتمل من دون دراسة البيئة السياسية التي جرت فيها، والمصالح التي ترتبت عن اختلاف التوقيتات، وكيف استفادت السلطة من التباين في مواقف المركزيات النقابية.
ثالثا: معركة 14 دجنبر 1990، حين أُرادت الدولة عزل الكونفدرالية واستهدافها
تكتسب أحداث 14 دجنبر 1990 مكانة خاصة في الذاكرة النقابية المغربية، فقد جاء الإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب في سياق اجتماعي وسياسي محتقن، وشكل تعبيرا عن اتساع الاحتقان وعن عجز السياسات العمومية المتبعة عن الاستجابة لمطالب الشغيلة.
لقد شهدت البلاد، ولا سيما مدينة فاس، أحداثا دامية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا في قراءة تلك المرحلة هو: هل جرى التعامل مع الإضراب باعتباره حقا نقابيا ومظهرا من مظاهر الصراع الاجتماعي، أم جرى استثمار ما رافقه من اضطرابات من أجل ربطه بالفوضى، وتحويل النقاش من المطالب الاجتماعية إلى اتهام الحركة النقابية بالمسؤولية عن الانفلات؟
تكتسب هذه المسألة أهميتها أيضا من المعطيات التي نشرتها جريدة العلم بشأن اجتماع دعا إليه إدريس البصري في منزله، بحضور الأستاذ امحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال، والدكتور عز الدين العراقي، الوزير الأول آنذاك، والأستاذ عبد الرزاق أفيلال، الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين بالمغرب. ووفق ما نشر، عرض خلال الاجتماع تفاوض الحكومة مع الاتحاد العام مع تقديم بعض المكتسبات مقابل انسحاب الاتحاد العام للشغالين بالمغرب من الإضراب، بما يؤدي إلى بقاء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وحدها في المواجهة وعزلها سياسيا ونقابيا بل وتصفيتها تنظيميا.
غير أن امحمد بوستة وعبد الرزاق أفيلال رفضا هذا المنطق، وكشفا ما جرى عبر صفحات جريدة العلم، وخاض الاتحاد العام للشغالين بالمغرب الإضراب إلى جانب الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وحصل ما حصل، وشكلت لجنة لتقصي الحقائق بطلب من المعارضة السياسية داخل البرلمان.
إن أهمية هذه الواقعة لا تكمن فقط في تفاصيل الاجتماع، وإنما في دلالتها السياسية: “محاولة فصل أحد مكونات الحركة النقابية عن الآخر، واستعمال التفاوض والمكتسبات الجزئية لإضعاف التعبئة المشتركة، ثم ترك التنظيم الأكثر استهدافا في مواجهة منفردة مع السلطة.”
إنها إحدى صور إدارة الصراع الاجتماعي من داخل مؤسسات الدولة، لا عبر الاستجابة لمجموع المطالب، وإنما عبر محاولة تغيير موازين القوى بين الأطراف التي تتبنى تلك المطالب.
وقد عشت هذه المرحلة بصفتي مسؤولا نقابيا وحزبيا، وأستحضرها هنا لا باعتبارها حكاية متداولة خارج سياقها، بل باعتبارها جزءا من تجربة تاريخية للحركة النقابية المغربية، تناولتها كتابات وبيانات ومقالات ودراسات متعددة، ومن واجب البحث التاريخي أن يستعيد هذه الوقائع في سياقها، وأن يدرس آلياتها ونتائجها، لا أن يفصلها عن الصراع السياسي والاجتماعي الذي أنتجها.
رابعا: بين أحداث فاس والرواية التي تحمل الإضراب مسؤولية الفوضى
لم يكن الصراع حول إضراب 14 دجنبر 1990 محصورا في الميدان أو في المفاوضات، فقد امتد إلى المجال الإعلامي والسياسي، حيث أصبح تفسير ما جرى جزءا من المعركة نفسها. وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين موقف المرحوم الأستاذ علي يعته وبين اتهام الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالاسم. فبحسب ما أستحضره من مواقفه، لم يوجه علي يعته اتهاما مباشرا إلى الكونفدرالية، لكنه ربط بين إعلان الإضراب العام وما عرفته فاس من أحداث، بما ساهم في ترسيخ صورة الإضراب باعتباره مرادفا للفوضى، وقد نقلت التلفزة كلمته داخل البرلمان والكل يتذكر ما قاله، خاصة تلك الحكاية المرتبطة بحفيده.
إن استحضار هذا الموقف لا يرمي إلى التشكيك في نوايا صاحبه، بل إلى إظهار كيف يمكن، حتى من دون توجيه اتهام مباشر إلى تنظيم بعينه، أن تتحول العلاقة الزمنية بين الإضراب وأحداث العنف إلى حكم سياسي على الإضراب نفسه.
فالإضراب العام حق نقابي مشروع، والأحداث التي قد تقع أثناءه ينبغي أن تدرس في ضوء أسبابها ومسؤولياتها الفعلية، ولا يصح اختزال حركة اجتماعية واسعة في أعمال عنف وقعت في سياقها، كما لا يصح إعفاء أي طرف تثبت مسؤوليته عن العنف من المساءلة القانونية.
إن الفرق كبير بين التحقيق في أسباب الاضطرابات وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، وبين توظيف الاضطرابات لإدانة حركة نقابية او تنظيم حزبي. الأول واجب الدولة، والثاني قد يتحول إلى أداة لتشويه المعارضة وإضعاف شرعيتها الاجتماعية.
خامسا: حراك الريف، من المطالب الاجتماعية إلى تهمة الانفصال
تكررت آليات مشابهة خلال حراك الريف سنة 2016 وما تلاه من احتجاجات في 2017، حيث انطلق الحراك في سياق اجتماعي، عقب وفاة محسن فكري، ورفعت مطالب تتعلق بالكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية ورفع التهميش عن المنطقة، لكن عددا من قادة أحزاب الأغلبية الحكومية آنذاك ربطوا الاحتجاجات بالتدخل الخارجي والانفصال، وهو اتهام بالغ الخطورة لأنه ينقل النقاش من مضمون المطالب الاجتماعية إلى التشكيك في وطنية المحتجين.
وكانت الأغلبية الحكومية تتكون من أحزاب: العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
وقد أقر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، في فاتح يوليوز 2017، بأن اتهام المحتجين بالانفصال لم يكن ينبغي أن يصدر، واعتبره خطأ، كما تراجعت أحزاب من الأغلبية عن تلك الاتهامات. لكن هذا التراجع جاء بعد الاعتقالات وبعد أن ساهمت الاتهامات في تسميم المناخ السياسي، وأثارت أسئلة مؤلمة بشأن علاقة الدولة بالمطالب الاجتماعية، وبشأن الحدود الفاصلة بين حماية الأمن الوطني وبين استعمال مفردات الأمن والوحدة الترابية لإسكات الاحتجاج.
والأكثر دلالة أن المحتجين واجهوا اتهامات الانفصال بتأكيد انتمائهم إلى الوطن، وبالتشديد على أن مطالبهم تتعلق بالكرامة والعدالة والتنمية، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: لماذا يطلب من مواطنين يطالبون بحقوقهم الاجتماعية أن يثبتوا وطنيتهم، بدل أن يطلب من المؤسسات أن تثبت قدرتها على الاستجابة لمطالبهم؟
إن تجربة حراك الريف تكشف أن الاتهام الجاهز قد يؤدي وظيفة سياسية محددة: عزل الاحتجاج عن حاضنته الاجتماعية، وإحراج المتعاطفين معه، وتحويل المطالب المشروعة إلى قضية ولاء للدولة. وحين تتراجع الجهات التي أطلقت الاتهامات، فإن التراجع لا يمحو بالضرورة آثارها في الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
سادسا: الولايات المتحدة وملف كوفيد-19، عندما تصبح المعلومة الاستخباراتية جزءا من الصراع السياسي
تقدم الولايات المتحدة بدورها مثالا على شدة التداخل بين الاستخبارات والسياسة، خصوصا في ملف منشأ فيروس كوفيد-19. فقد اتسم النقاش الأمريكي منذ بداية الجائحة بتبادل الاتهامات بشأن مسؤولية الصين عن انتشار الفيروس، لكن المقصود بذلك اطراف داخلية بعينها، وخاصة الحزب الديمقراطي. فخلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، كان الرئيس الأمريكي يحمل الصين مسؤولية ظهور الفيروس، ويقدم فرضية المنشأ المختبري في ووهان ضمن خطابه السياسي. غير أن السؤال الذي ظل قائما هو مدى ارتباط الحزب الديمقراطي اثناء تواجده في الحكم بقرار تمويل بعض الأبحاث، ومدى شفافية المؤسسات الأمريكية في عرض المعلومات المتصلة بذلك التمويل.
وفي يونيو 2026، نشرت مديرية الاستخبارات الوطنية الأمريكية، قبيل استقالتها من منصبها، وثائق جديدة بشأن تمويل أبحاث فيروسات كورونا في معهد ووهان، وبشأن ما اعتبرته تأثيرا في التقييمات الاستخباراتية المتعلقة بأصل الفيروس. وقد أعادت هذه الوثائق فتح النقاش حول التمويل الأمريكي للأبحاث البيولوجية في الخارج، وحدود الشفافية، ومدى استقلال التقديرات الاستخباراتية عن الحسابات السياسية.
إن الدلالة التي يمكن استخلاصها من هذا الملف ليست أن كل ما تداوله السياسيون الأمريكيون عن منشأ الفيروس قد ثبت، بل إن الدلالة الأهم هي أن المعلومات الاستخباراتية ليست بمنأى عن التوظيف السياسي، وأن ما يقدم للرأي العام باعتباره حقيقة محسومة قد يتغير عندما تكشف وثائق جديدة.
وهنا يظهر وجه آخر للمشكلة: حين تتداخل المصالح السياسية مع عمل أجهزة الاستخبارات، يصبح واجب المؤسسات الرقابية والإعلام المستقل والبرلمان أن يطالبوا بكشف الوثائق، وأن يميزوا بين المعلومة المثبتة والتقدير الاستخباراتي والاتهام السياسي.
فالديمقراطية لا تقاس فقط بوجود أجهزة استخبارات أو بقدرتها على جمع المعلومات، بل أيضا بوجود ضمانات تمنع تحويل تلك المعلومات إلى أدوات للتضليل أو لتصفية الحسابات السياسية. كما أن رفع السرية عن الوثائق، حين تسمح القوانين بذلك، قد يكون ضروريا لمساءلة السلطة، لكنه لا يعفي الباحثين والصحافيين من واجب التحقق من مضمون الوثائق وحدود ما تثبته فعلا.
سابعا: ما الذي يجمع هذه التجارب؟
تختلف فرنسا عن المغرب، وتختلف الولايات المتحدة عنهما في طبيعة النظام السياسي والمؤسسات والضمانات القانونية، كما أن الوقائع المشار إليها لا تتطابق في أسبابها ولا في نتائجها، لكن المقارنة تتيح استخلاص مجموعة من الأسئلة المشتركة حول علاقة الدولة بالمعارضة، وحول الحدود التي ينبغي أن تفصل العمل الأمني عن الصراع السياسي.
أولا، عندما تتعرض الدولة لضغط اجتماعي أو سياسي قوي، قد تحاول بعض مراكز النفوذ نقل النقاش من مسؤوليتها عن الأزمة إلى مسؤولية المعارضة عنها. ويجري ذلك أحيانا عبر ربط الاحتجاج بالفوضى، أو وصف المعارضين بالمغامرين، أو التشكيك في ولائهم الوطني، أو تصويرهم بوصفهم امتدادا لجهات خارجية.
ثانيا، قد لا تكون المواجهة موجهة إلى المعارضة كلها بالطريقة نفسها، فقد تسعى السلطة إلى عزل المكون الأكثر تأثيرا فيها، أو تفكيك التحالفات القائمة بين مكوناتها، أو فتح تفاوض انتقائي مع بعض أطرافها لإضعاف قدرتها على الفعل المشترك، وهذا ما تظهره دروس من تاريخ الصراع النقابي المغربي، ولا سيما في محطتي 20 يونيو 1981 و14 دجنبر 1990.
ثالثا، يمكن للإعلام والخطاب الرسمي أن يؤديا دورا مركزيا في تشكيل صورة الاحتجاج، بل واحيانا يتم اقحام المساجد وفضاءات أخرى في اتون هذه الحرب الإعلامية. فحين تتكرر اتهامات غير مثبتة، قد تتحول إلى حقائق متداولة في الوعي العام، حتى قبل اكتمال التحقيق أو ظهور الأدلة، وقد يصبح على المعارضة أن تدافع عن حقها في الوجود السياسي قبل أن تتمكن من الدفاع عن برنامجها ومطالبها.
رابعا، لا تكفي قوة الأجهزة الأمنية ولا اتساع صلاحياتها لضمان الأمن والاستقرار، بل إن الاستقرار الحقيقي يتطلب ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وثقتهم في أن المعلومات الأمنية تجمع وتحلل مهنيا، وأن الاتهامات تبنى على الأدلة، وأن المعارضة لا تعامل بوصفها عدوا لمجرد أنها تعارض السلطة.
خامسا، إن المساءلة لا تعني التسليم بكل اتهام يوجه إلى الدولة أو أجهزتها، بل تعني المطالبة بتحقيق مستقل، وكشف الوثائق عندما يكون ذلك ممكنا قانونيا، وتمكين القضاء والبرلمان والإعلام من أداء أدوارهم الرقابية، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت تجاوزهم للقانون أو استغلالهم لمواقعهم.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه قضية “فرنسا الأبية” لا يتعلق فقط بمصير حزب فرنسي، كما أن استحضار التجربة المغربية لا يهدف إلى مساواة جميع السياقات أو الأنظمة. إن السؤال أعمق من ذلك: كيف نحمي المجال السياسي من تحوله إلى ساحة تستخدم فيها أدوات الدولة الإدارية والأمنية لإضعاف الخصوم؟ وكيف نضمن ألا تتحول أجهزة يفترض أن تحمي المجتمع إلى أطراف في صراعات السلطة؟
خاتمة: الدولة القوية لا تحتاج إلى صناعة المؤامرات ضد معارضيها
إن التاريخ السياسي والاجتماعي يعلمنا أن الدولة قد تكون في أوج قوتها المادية، لكنها تجد نفسها في موقف ضعف سياسي عندما تفقد القدرة على الإقناع، أو عندما تتسع الهوة بينها وبين مطالب المجتمع، أو عندما تواجه معارضة منظمة تمتلك شرعية اجتماعية وقدرة على التعبئة.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح إغراء استعمال الأجهزة الأمنية أو الإعلامية لتشويه المعارضة كبيرا، وقد تلجأ بعض مراكز النفوذ إلى صناعة روايات تتهم الخصوم بالعنف أو الفوضى أو التآمر او أي شيء اخر، أملا في عزلهم عن المجتمع وإضعاف قدرتهم على التأثير. لكن هذه الأساليب، حتى عندما تحقق مكاسب آنية، قد تترك آثارا عميقة في الثقة بالمؤسسات وفي شرعية النظام السياسي.
إن دروس 20 يونيو 1981 و14 دجنبر 1990 في تاريخ الحركة النقابية المغربية، وما رافق حراك الريف من اتهامات ثم تراجع عنها، تذكرنا بأن المعركة لا تدور فقط حول المطالب الاجتماعية، بل أيضا حول من يملك حق تعريف الأزمة وتفسير الاحتجاج وتحديد المسؤوليات. أما التطورات الفرنسية، فتضع أمام الديمقراطية سؤالا لا يقل أهمية: هل تبقى أجهزة الدولة محايدة في مواجهة التنافس السياسي، أم يمكن أن تتحول إلى أدوات في يد قوى تسعى إلى إقصاء خصومها؟
إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على مراقبة المعارضين أو تشويههم أو تفكيك تحالفاتهم، بل بقدرتها على مواجهة النقد، والاستجابة للمطالب المشروعة، وضمان استقلال مؤسساتها، واحترام حق الاختلاف والمعارضة. وعندما تصبح المعارضة القوية مصدر قلق للدولة، فإن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة السلطة على إضعافها، بل في قدرتها على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وهي تواجهها. فالدولة التي تثق في شرعيتها لا تحتاج إلى صناعة الأعداء، ولا إلى تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مؤامرة، ولا إلى استخدام أجهزتها لتوجيه الرأي العام ضد خصومها. أما حين تصبح الاتهامات الأمنية بديلا عن الحلول السياسية، فإن السؤال لا يعود مقتصرا على سلوك المعارضة، بل يمتد إلى طبيعة السلطة نفسها، وإلى مدى احترامها للقانون ولحق المواطنين في التنظيم والاحتجاج والتغيير. والله اعلم













