بقلم / .محمد كريم
يبدو أن المثل المغربي القائل: «المُشْ ملي ما كيوصلش للحم، كيقول عليه خانز» ينطبق، إلى حد بعيد، على موقف بعض المدافعين عن حزب العدالة والتنمية، ممن لم يستسيغوا رفض تحالف اليسار فكرة التنسيق مع حزب “البيجيدي” داخل مجلس النواب، فبدلا من مناقشة مبررات ودوافع هذا الرفض، اختاروا شخصنة النقاش، ومن ثم استباحوا الطعن في مصداقية وكفاءة من عبروا عن الرفض بشكل معلل وعقلاني، والتقليل من شأنهم والهجوم عليهم.
ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن ينصب النقاش على جدوى التحالفات البرلمانية، وشروطها السياسية، اختار البعض تحويل موقف الأستاذ جمال العسري مثلا إلى مناسبة لتوزيع الاتهامات وإصدار أحكام قيمة جاهزة، من قبيل الاتهام بالتعالي وتضخم الأنا، الخ، والحال أن الرجل حر في قناعاته، مستقل في خياراته، ولا وصاية لأحد على مواقفه. وبتعبير آخر، لا احد يملك اصلا حق فرض وجهة نظره على من يخالفه الرأي، او أن يجعل من اختياراته الإيديولوجية او السياسية معيارا لازما لتحديد من على صواب ومن على خطأ.
فما الذي يضير هؤلاء المناصرين لحزب “البيجيدي”، إن كان تحالف اليسار على صواب من وجهة نظره، او جانب الصواب من وجهة نظر من لم يرق لهم رفض التحالف؟
وحتى لو افترضنا، جدلاً، أن اختيار عدم التحالف غير صائب، فهل هناك مبرر للهجوم على الأشخاص؟ وهل هذا الهجوم يعبر عن الحرص على سلامة الاختيارات السياسية من باب “النصيحة” مثلا، أم أن هوس الوصاية على الوعي والعقول هو الذي يدفع البعض إلى التطاول على الغير؟
ثم بأي منطق، وبأي مبرر موضوعي، يسمح البعض لأنفسهم، عوض مناقشة الأفكار والحجج والبرامج، بالتنقيص من الأشخاص وإطلاق الأحكام الجاهزة في حقهم؟
فهذا يزعم أن جمال العسري رفض التحالف لأنه فشل في الفوز بمقعد نيابي، والحال أنه لم يترشح أصلا!
وذاك يتهمه بالأمية، ويصف لغته العربية بالركيكة، بناء على انطباعات شخصية لا علاقة لها لا بتكوين الاستاذ جمال العسري ولا بمساره الاكاديمي و المهني، علما أن النقاش السياسي لا يحسم بالمزايدات العقيمة ولا بالثرثرة الفجة، وإنما بقوة الحجة وسلامة الاستدلال وتماسك الطرح. وبالتالي، هل تصبح الحجة ضعيفة لمجرد أن صاحبها لم يتفاعل مع هوى المتحاملين؟
وهذا ثالث يدّعي أن تحالف اليسار يجمع في صفوفه أشباه المثقفين وبقايا الحالمين بالثورة وبالاشتراكية و يتوبيا “Le Grand Soir”، وكأنه أنجز بحثا ميدانيا وفق منهجية علمية دقيقة، او استند إلى عينة ممثلة وبيانات موثوقة حول مناضلي تحالف اليسار او حول المتعاطفين معه او حول من صوت له، الخ، قبل أن يستخلص استنتاجاته!
وهذا رابع يرى ان تحالف اليسار لم يدرك بعدُ ان “الايديولوجيا ماتت” مع انهيار المعسكر الشرقي، وأن اليسار لم يتحرر بعد من حسابات ايديولوجية أصبحت متجاوزة.
وخامس يُنَصِّب نفسه وصيا على الوعي السياسي معتبرا ان العمل السياسي يفرض التحلي بالبراغماتية والواقعية، ومن ثم يقتضي تجاوز الاكراهات المتعلقة بالمرجعيات الإيديولوجية، وهكذا دواليك…
وتكمن المفارقة في هذا الإطار في كون إيمان بعض المحسوبين على حزب “البيجيدي” بحق الاختلاف لا يغدو ان يكون إيمانا نسبيا، مشروطا، بحيث لا يتقبلون اختلاف الرأي واختلاف التقدير إلا حين ينتهي إلى النتيجة التي يريدونها، ولا يدافعون عن حرية الاختيار إلا بما هي اختيارات تؤكد صلابة طروحاتهم. أما حين يتشبت الآخر باستقلاليته، فلا يترددون في تسفيه موقفه، والتشكيك في كفاءته، أو الطعن في نواياه.
والديموقراطية بالنسبة لهؤلاء تختزل منح الآخر حق الاختيار فقط حين يختار ما يريدونه منه، دون احترام حقه في الاختيار حين يختار ما لا يريدونه له.
لذا، فبعيدا عن السجال السياسوي والهجوم الشخصي، يقتضي المنطق أن تناقش مسألة التحالف بشكل جدي في جوهرها لمعرفة هل يكفي أن يقرر تنظيمان سياسيان خارج الاغلبية الحكومية خلق تحالف بينهما، للتسليم بكون هذا التحالف ضرورة سياسية لا محيد عنها؟
ثم هل يكفي الاختلاف مع الحكومة لأسباب ودوافع مختلفة لتأسيس جبهة معارضة مشتركة، بصرف النظر عن البرامج والمرجعيات والحصيلة السياسية لمكونات التحالف المحتمل؟ وفي هذه الحالة، لماذا لم يسعى حزب العدالة والتنمية للتحالف مع حزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الدستوري، او حتى حزب التجمع الوطني للأحرار، على اعتبار ان اعضاء بارزين سابقين في البيجيدي التحقوا، غداة هزة 2021، بحزب عزيز اخنوش؟
في تقديري، إن رفض تحالف اليسار التحالف مع العدالة والتنمية لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف إيديولوجي، قد يعتبره البعض متجاوز زمانيا، ولا في موقف شخصي لزيد او لعمرو، او لهند او ربيعة، بل ينبغي فهمه في ضوء اختلافات أعمق تتعلق بالاختيارات السياسية والاجتماعية، اي بطبيعة المشروع المجتمعي الذي يدافع عنه كل طرف، اذا افترضنا ان لكل تنظيم سياسي مشروع مجتمعي، وبمدى الاستعداد للالتقاء مع بعض مكونات المشهد السياسي حول برنامج عمل سياسي واضح ومتماسك.
فهل مثلا يمكن لتحالف اليسار التعامل او التنسيق مع حزب العدالة والتنمية دون استحضار حصيلته الحكومية خلال عشر سنوات؟، لا سيما ان سياسته الاجتماعية اعتبرت من طرف فئات سياسية ومهنية عريضة مناهضة للفئات الشعبية والوسطى ومثيرة للجدل والصراع الطبقي بسبب مراميها وتبعاتها و انعكاساتها الاجتماعية.
فمن أبرز الملفات التي لا يفوت تحالف اليسار، عبر بعض ممثليه، النبش فيها في هذا السياق، تثار بشكل شبه تلقائي ما اقدمت عليه جكومة البيجيدي من:
– مراجعة لنظام المقاصة عبر تقليص الدعم، وهو التقليص الذي كانت له انعكاسات سلبية مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين العاديين؛
– تحرير أسعار المحروقات، وما أثاره من جدل حول أثره المباشر على كلفة النقل والتنقل وما ترتب عن ذلك من انعكاسات على مستوى اشتعال اسعار جميع المواد، وخصوصا المواد الغذائية؛
– مراجعة أنظمة التقاعد، من خلال رفع سن الإحالة على التقاعد والرفع من نسبة المساهمات في صناديق المعاشات؛
– اعتماد التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وما أثاره من احتجاجات ومطالب تتعلق بضرورة ضمان الاستقرار المهني والمساواة في الوضعية الإدارية؛
– الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، وما اثاره من سخط بسبب المس بحق ممارسة الإضراب.
ويالتالي، قد تختلف التقييمات بشأن هذه الإجراءات وبشأن كلفتها الاجتماعية، اذ في الوقت الذي يصر فيه بعض قادة حزب “البيجيدي” على اعتبار ان الاجراءات المتخذة كانت أداة ضرورية للقيام بإصلاحات فرضتها المصلحة الوطنية العليا، قد يرى غير المقتنعين بهذا التبرير انها تختزل، ليس إلا، استجابة طوعية لإملاءات المؤسسات المالية الدولية من جهة، و استسلاما فاضحا لهيمنة الأوليغارشيا و لذريتها ومن تناسل منها من قوى الفساد ونهب المال العام، المتحوزة لبراءة الذمة بفضل مبادرة الانصياع والاقرار بالهزيمة المجسدة في “عفى الله عما سلف” من جهة ثانية.
لذا، فإن وجود اختلافات في التقييم وفي التقدير يؤكد أن حصيلة حزب “البيجيدي” الحكومية تظل عنصرا أساسيا في تحديد طبيعة وحدود العلاقة السياسية الممكن نسجها معه.
ومن منظور تحالف اليسار، يبدو ان السؤال المشروع لا يتعلق بمدى اختزال عدم الاستجابة لفكرة التحالف في استحضار الماضي أو تصفية لحسابات قديمة ذات الارتباط بمسؤولية بعض المنتسبين لحزب “البيجيدي” او المحسوبين على التيار الإسلاموي الحاضن له عن اغتيال شهيد الحركة اليسارية عمر بنجلون او تصفية ضحية الهمجية والغذر الطالب بنعيسى آيت الجيد، بقدر ما يرتبط بالسؤال عن مدى استعداد حزب البيجيدي عمليا لمراجعة اختياراته (السابقة)، والقطيعة مع ما يعتبره منتقدوه توجها نيوليبراليا اقتضى مهادنة الأليغارشيا ومغازلتها ونيل رضاها مقابل تحميل الفئات الشعبية والطبقة الوسطى كلفة وعبء المراجعات والتراجعات.
ويزداد السؤال إلحاحا حين يعبر كبير “الباجدة” بحرقة وألم وحسرة عن عدم اتخاذه في حينه قرار رفع الدعم عن مادة الغاز لما ترأس حكومة ما بعد 20 فبراير من جهة، ويصرح علنا باستعداده لمواصلة الاختيارات نفسها لو قدر له العودة لمربع السلطة من جهة ثانية.
لذا، فالتحالف ليست مجرد اصطفاف عددي، تكتيكي، قد يبدو مصطنعا، أو قد يمليه موقف سياسي مسبق من حكومة في طور التعيين، بل هو، قبل كل شيء، تعاقد والتزام سياسي يفترض حدا أدنى من التوافق والانسجام بشأن الملفات التي يراد الدفاع عنها، ومشاريع القوانين التي يراد تقديمها، والسياسات، التي تم ارساؤها سابقا، والتي يراد تغييرها.
فما الجدوى من تحالف سيبدو هجينا مع حزب عقد العزم قبل الأوان على اسقاط الحكومة باي ثمن، اي حتى قبل تعيينها والاطلاع على برنامجها، دون التأني وانتظار تتويج الحكومة وعرضها لبرنامجها قصد اقتراح البدائل لمعالجة الاختلالات ؟ اليس هذا منتهى الغلو والتعالي؟
ثم ما قيمة التنسيق إذا تعذر الاتفاق على قضايا مركزية تتعلق بالحقوق الاجتماعية، والعدالة المجالية واجثتات الفساد واقتصاد الريع؟
من هذا المنطلق، يبدو انه من حق تحالف اليسار في هذا السياق اثارة التساؤل عن مدى استعداد حزب العدالة والتنمية للالتقاء معه حول ملفات ذات اهمية استراتيجية بالغة من قبيل العفو العام عن المعتقلين السياسيين، وتجريم التطبيع، ومراجعة السياسات والإجراءات الاجتماعية التي يعتبرها اليسار معاكسة لمصالح الفئات الشعبية والوسطى.
بل اكثر من ذلك، وخلافا لما اعتبره البعض تعاليا اخلاقيا يشوب موقف تحالف اليسار، ومن ثم يمنع التقاطعات التكتيكية، أبدى التحالف إياه عدم رفضه فرضية التقاطع في بعض القضايا الآنية مع حزب العدالة والتنمية، دون ان يعني ذلك أن وجود تقاطع حول قضية بعينها قد يكون مدخلا او مبررا كافيا للانصهار في تحالف سياسي قد يبدو مفتعلا.
لا شك أن العمل السياسي يقتضي استحضار المرونة، ومن ثم يبدو الحوار والتفاوض والتنسيق والتحالف أدوات مشروعة في هذا الإطار، على اعتبار ان السياسة في نهاية المطاف اختزال لفن الممكن. لكن المرونة لا تعني إعدام التصدعات والتناقضات والتنافرات بين المشاريع المجتمعية الكبرى، وهي المشاريع التي تمنح دون سواها العمل السياسي معناه ومصداقيته وجاذبيته.
فبقدر ما لا يجب مبدئيا اعتبار كل اختلاف إيديولوجي سببا كافيا لرفض التحالف، بقدر ما لا يكفي تجاوز الاختلاف الإيديولوجي لتبرير ابرام التحالفات والانصهار فيها.
لذا، وترتيبا على ما سبق، فإن جوهر النقاش حول رفض تحالف اليسار التحالف مع حزب “البيجيدي” لا يعني ان موقف دعاة الرفض محقين او مجانبين الصواب، وإنما معرفة إذا ما كان من حق تحالف اليسار، اتخاذ هذا القرار استنادا إلى تقديره السياسي، من دون أن يتحول العمل السياسي من هذا المنظور، في نهاية المطاف، الى سوق يُجْبَر الداخل اليها على الرضوخ للتحالفات المفتعلة، وإلا تحوًّل الرافضون إلى هدف لحملة التشويه والتسفيه.
ولمن يرى أن التحالف مع العدالة والتنمية يشكل خيارا انجع، فله كامل الحق في الدفاع عن وجهة نظره، وتقديم الحجج التي تسندها، وبيان ما كان يمكن أن يحققه هذا التحالف من مكاسب سياسية واجتماعية وسيادية، عوض محاولة فرض قناعته على الآخرين.
وفي انتظار ادراك مدى اهمية الإقرار بحق الاختلاف، يبدو حزب العدالة والتنمية كمن استهواه قوام فاتنة فذهب لخطبتها، لكن لما رفضت الفاتنة الخاطب المغمور، عوض ان يحترم هذا الأخير قرارها، راح يعدد عيوبها المفترضة ويطعن في شرفها.
واستحضارا لقدرة الأمثال الشعبية على التعبير على وضع “حزب البيجيدي” في هذه النازلة، يبدو لي ان المثل المغربي، القائل ان “المُشْ ملي ما كيوصلش لللحم، كيقول عليه خانز”، يستعيد في هذا الإطار بالغ دلالته.













