بالقلم الأحمر : المحروقات.. من عبء الأسعار إلى مسؤولية القرار السياسي

12 أكتوبر 2026
بالقلم الأحمر : المحروقات.. من عبء الأسعار إلى مسؤولية القرار السياسي

كلاش بريس / فتح الله حافظي

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات يعتبر مجرد انعكاس للمنحى التصاعدي الذي تشهده الأسواق الدولية، بل أصبح يشكل عبئا اجتماعيا لا يثقل كاهل الفئات الفقيرة فحسب، بل توسع ليشمل كذلك حتى الطبقة الوسطى ويهدد قدرتها الشرائية على حد سواء.

وإذا كانت العوامل الخارجية تحدد على المستوى الدولي منحى الأسعار، فإن مستوى الضرائب والرسوم الداخلية، على المستوى الوطني، تفاقم تبعا لذلك موجة الغلاء.

لذا، يظل تأطير نسب الضرائب والرسوم الداخلية خيارا واطنيا يساهم بدون شك في الحد من التزايد الجامح للأسعار، بما يجعل حماية المستهلك مسؤولية سياسية لا مجرد معادلة اقتصادية.

فالمواطن الفقير يواجه بشكل مباشر ارتفاع ثمن المحروقات من خلال ارتفاع كلفة النقل، التي تفضي في نهاية المطاف الى اشتعال لهيب اسعار المواد الاستهلاكية بشكل عام والمواد الغذائية الأساسية بشكل خاص.

اما الطبقة الوسطى، فإنها تجد نفسها بدورها وجها لوجه امام التزايد التدريجي لكلفة المعيشة مقابل عدم مواكبة موارد هذه الشريحة الاجتماعية لارتفاع مستوى نفقاتها الأساسية.

لذلك، بات من الضروري اعتماد آلية مرنة لمراجعة العبء الجبائي عند الارتفاعات الاستثنائية، اضافة الى ضمان الشفافية في تركيب الأسعار، وتعزيز المنافسة ومراقبة هوامش التوزيع.

وتؤكد التجربة الفرنسية، من خلال إعلان تعبئة عشرة ملايين برميل من الغازوال من المخزون الاستراتيجي للتخفيف من ضغط الأسعار، أن مواجهة غلاء المحروقات لا تقتصر على انتظار تحسن الأسواق الدولية، بل تقتضي البحث عن أدوات تدخل تخفف العبء عن المستهلك. وهو ما يدعو المغرب إلى التفكير في حلول تنسجم مع إمكاناته وأولوياته، بدل الاكتفاء بتدبير انعكاسات الأزمة بعد وقوعها.

ومن هنا، فإن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند مستوى الضرائب والرسوم قصد التخفيف من حدة الأسعار، بل يجب أن يمتد إلى جوهر السياسة الطاقية الوطنية، على اعتبار ان العدالة الاجتماعية والمصلحة العامة، يفرضان إعادة تشغيل مصفاة سامير، باعتبارها تشكل مدخلا استراتيجيا لتعزيز الأمن الطاقي الوطني، وتوسيع خيارات التزود والتكرير والتخزين. صحيح أن ذلك لا يضمن تلقائيا انخفاض الأسعار على المدى الزمن القريب، وأنه يستلزم معالجة الإشكالات القانونية والمالية والتقنية، لكنه يفرض نقاشا جديا حول كلفة استمرار تعطيل هذه المنشأة ومستقبل السيادة الطاقية للمغرب.

إن المطلوب سياسة طاقية وجبائية أكثر عدالة، تتقاسم فيها الدولة والسوق كلفة الأزمات، بدل تحميلها للمواطن وحده. فمراجعة الضرائب، وضمان شفافية الأسعار، وإعادة تشغيل سامير ليست قضايا منفصلة، بل مكونات لمعركة واحدة من أجل العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.

فارتفاع الأسعار ليس قدرا يعفي الحكومة من المسؤولية، وإعادة تشغيل سامير ليست مجرد مطلب صناعي، بل خيار استراتيجي يستحق قرارا سياسيا واضحا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.