بقلم / عثمان باقة
يأتي هذا المقال مساهمة منا في النقاش العمومي الذي أثارته مباشرة مراسيم تسليم السلط بين أعضاء الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، قبل حصولها على ثقة مجلس النواب. وانطلاقا من الحرص على مقاربة الموضوع مقاربة قانونية تتوخى الدقة والموضوعية، سنبدأ بتحديد الإطار الدستوري المنظم للعلاقة بين التعيين الملكي والتنصيب البرلماني، ثم ننتقل إلى تحليل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 065.13، ولا سيما المادتين 37 و38، لتحديد حدود اختصاصات الحكومة خلال المرحلة السابقة على التنصيب. بعد ذلك، سنناقش الحجج القانونية الواردة في بعض الآراء المتداولة بشأن مشروعية تسليم السلط، قبل تقييم الأبعاد الدستورية والسياسية للمسألة، وصولا إلى استخلاص موقف قانوني يميز بين مشروعية مراسيم التسليم ومشروعية ممارسة الاختصاصات الحكومية قبل نيل الثقة البرلمانية.
إن مباشرة مراسيم تسليم السلط بين أعضاء الحكومة المنتهية ولايتها وأعضاء الحكومة الجديدة، قبل حصول هذه الأخيرة على ثقة مجلس النواب، تطرح إشكالا دستوريا يتجاوز المظهر البروتوكولي لهذه المراسم إلى سؤال أكثر عمقا وهو : هل يكفي التعيين الملكي لتمكين أعضاء الحكومة الجديدة من ممارسة اختصاصاتهم الوزارية كاملة؟ أم أن حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب يشكل شرطا دستوريا سابقا على مباشرة تلك الاختصاصات؟
وللإجابة عن هذا السؤال، نعتقد أنه ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة: التعيين الملكي، والتنصيب البرلماني، واستمرارية المرافق العمومية، كما ينبغي التمييز بين مراسيم تسليم السلط باعتبارها إجراء مؤسساتيا، وبين الأفعال والقرارات التي قد يتخذها الوزراء الجدد أثناء المرحلة الفاصلة بين التعيين والحصول على الثقة البرلمانية.
ونود، منذ البداية، تسجيل ملاحظة منهجية أساسية: لا يصح اعتبار كل تسليم للسلط قبل التنصيب خرقا دستوريا بصورة آلية، كما لا يصح اعتبار التعيين الملكي ترخيصا مطلقا لممارسة جميع الاختصاصات الحكومية قبل استكمال المسطرة الدستورية. فالحسم القانوني يقتضي تحديد الوضعية الدستورية للحكومة خلال هذه المرحلة، والرجوع إلى النصوص المنظمة لها، ثم فحص طبيعة الأفعال التي تمت بالفعل.
أولا: الإطار الدستوري المنظم للعلاقة بين التعيين والتنصيب
1. الفصل 47: التعيين الملكي لا يساوي التنصيب البرلماني
ينص الفصل 47 من دستور 2011 على تعيين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويشكل هذا التعيين الأساس الدستوري لتشكيل الحكومة وتحديد أعضائها، لكن الدستور لا يكتفي بالتعيين الملكي، بل ينظم في الفصل 88 مسطرة مستقلة لتنصيب الحكومة برلمانيا. وهذا التمييز ليس شكليا، وإنما يعكس طبيعة النظام الدستوري المغربي، الذي يجمع بين التعيين الملكي والمسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب. وعليه، ينبغي التمييز بين مسألتين:
التعيين الملكي: يمنح أعضاء الحكومة صفتهم الحكومية وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها.
التنصيب البرلماني: يكتمل بحصول البرنامج الحكومي على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس.
ويؤكد الفصل 88 صراحة أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على هذه الثقة.
غير أن هذا التمييز لا يعني أن أعضاء الحكومة يظلون، إلى حين التصويت البرلماني، في وضعية انعدام تام للاختصاصات، فهذه النتيجة لا تستقيم مع النص التنظيمي الذي وضعه المشرع تحديدا لمعالجة المرحلة السابقة على التنصيب.
2.: ما الذي يفرضه فعلا الفصل 88؟
يحدد الفصل 88 المسطرة التي يتعين اتباعها لتنصيب الحكومة، انطلاقا من عرض رئيس الحكومة برنامجها أمام مجلسي البرلمان، ومناقشته، ثم التصويت عليه في مجلس النواب، والقراءة المتأنية لهذا الفصل تقود إلى نتيجتين:
أولاهما أن الحصول على الثقة البرلمانية شرط دستوري صريح لاعتبار الحكومة منصبة.
وثانيهما أن الفصل لا يتضمن مقتضى صريحا يمنع تنظيم مراسيم تسليم السلط قبل التصويت على البرنامج الحكومي.
لذلك، فإن الاستناد إلى الفصل 88 وحده للقول إن مجرد تسليم السلط يشكل خرقا دستوريا لا يكفي من الناحية القانونية، إذ لا بد من بيان المقتضى الذي يجعل هذه المراسيم، في ذاتها، محظورة، أو إثبات أن ما رافقها من أعمال تجاوز الحدود المقررة للمرحلة الانتقالية.
لكن غياب منع صريح لمراسيم التسليم لا يعني أن كل ما قد يقع خلالها أو بعدها يصبح مشروعا، فقد تكون المراسيم سليمة في ذاتها، بينما يثير قرار إداري صدر خلالها أو إجراء تنفيذي اتخذه وزير جديد إشكالا قانونيا مختلفا، وهنا نصل إلى النص الأكثر مباشرة في معالجة المسألة: القانون التنظيمي رقم 065.13.
ثانياً: المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 هي مفتاح النقاش
المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها تعالج صراحة وضعية الحكومة الجديدة التي عينها الملك ولم تنصب بعد من مجلس النواب وتسند إليها ثلاث مهام:
إعداد البرنامج الحكومي الذي يعتزم رئيس الحكومة عرضه أمام البرلمان.
إصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية.
ممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37 إلى حين تنصيبها من مجلس النواب.
أما المادة 37، فتحدد المقصود بتصريف الأمور الجارية في اتخاذ القرارات والتدابير الإدارية الضرورية والمستعجلة لضمان استمرارية مصالح الدولة ومؤسساتها وانتظام سير المرافق العمومية، كما تستبعد، في فقرتها الثانية، التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وتذكر من بينها المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا.
وهنا ينبغي تصحيح ما ورد في الكثير من التعاليق التي ناقشت الموضوع، فالمادة 38 ليست مجرد استثناء محدود يتيح للحكومة الجديدة إعداد البرنامج الحكومي وتدبير الضروريات، بل إنها نص قانوني صريح يمنحها اختصاصات محددة خلال المرحلة السابقة على التنصيب.
وبالتالي، لا يصح القول إن الحكومة الجديدة لا يجوز لها القيام بأي عمل إداري قبل نيل الثقة البرلمانية، فهذا القول يتعارض مع منطوق المادة 38.
وفي المقابل، لا يصح تأويل المادة على أنها تمنح الحكومة الجديدة كامل الاختصاصات التنفيذية المنصوص عليها في الفصل 89 من الدستور منذ لحظة التعيين، فلو كان هذا هو المقصود، لما كانت هناك حاجة إلى تخصيص المادة 38 لتنظيم مهامها قبل التنصيب.
ملاحظة قانونية بشأن حدود المادة 38
ثمة دقة تشريعية ينبغي عدم إغفالها: المادة 38 تحيل تحديدا إلى الصلاحيات الواردة في الفقرة الأولى من المادة 37، بينما يتضمن القيد المتعلق بالتدابير الملزمة للحكومة المقبلة في الفقرة الثانية من المادة 37، لذلك، لا ينبغي تقديم هذا القيد وكأنه وارد حرفيا في المادة 38 بالإحالة نفسها. والأدق أن يقال إن المادة 38 تحدد اختصاصات الحكومة الجديدة في إطار استثنائي مرتبط باستمرارية المرافق العمومية، وإن تحديد مدى تلك الاختصاصات يتطلب قراءة متكاملة للنصين ولمقاصدهما، مع التمييز بين التدابير الضرورية والمستعجلة وبين القرارات ذات الأثر السياسي أو القانوني المستمر، وهذه الدقة مهمة؛ لأن التحليل الدستوري لا يكتفي باستحضار النصوص، بل يميز بين منطوقها الصريح وما يمكن استخلاصه من تفسيرها المنهجي.
ثالثا: هل تسليم السلط قبل التنصيب مشروع دستوريا؟
في تقديرنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة أوضاع قانونية مختلفة، لأن الخلط بينها هو مصدر جانب كبير من الالتباس الذي يطبع النقاش.
الحالة الأولى: تنظيم مراسيم تسليم السلط
إذا اقتصرت الخطوة التي أشرفت عليها رئيسة الحكومة على تنظيم مراسيم انتقال المسؤولية بين الوزراء السابقين والوزراء الجدد، والتعريف بالمسؤولين الإداريين، وتسليم الوثائق والمعلومات المتعلقة بتسيير القطاعات الوزارية، فلا يظهر في الفصل 88 أو المادة 38 ما يبرر اعتبار هذه المراسم، في حد ذاتها، خرقا دستوري، بل يمكن اعتبارها إجراء مؤسساتيا يندرج ضمن تهيئة انتقال المسؤولية، شريطة احترام القواعد القانونية المتعلقة بتولي الاختصاصات وتفويضها.
ويجب الانتباه هنا إلى أن تسليم السلط ليس هو الذي ينشئ الصفة الحكومية، كما أنه لا يعادل التنصيب البرلماني، إنه إجراء انتقالي لا ينبغي الخلط بينه وبين الأساس القانوني لممارسة الاختصاصات.
الحالة الثانية: اتخاذ تدابير إدارية لضمان استمرارية المرافق العمومية
إذا انتقل الوزراء الجدد، بعد التعيين، إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية، فإن المادة 38 توفر سندا قانونيا صريحاً لذلك. ومن أمثلة هذه التدابير، بحسب طبيعتها وظروفها، تنظيم استمرارية العمل الإداري، وتدبير الحالات المستعجلة، واتخاذ قرارات التفويض الضرورية لضمان عدم توقف المصالح العمومية.
لكن مشروعية كل إجراء تظل مرتبطة بموضوعه، وسنده القانوني، والجهة التي اتخذته، ومدى احترامه للحدود المقررة للاختصاص.
الحالة الثالثة: ممارسة الاختصاصات الحكومية كاملة قبل نيل الثقة
هنا يطرح الإشكال الدستوري الحقيقي، فإذا اتخذت الحكومة الجديدة، قبل تنصيبها، قرارات استراتيجية أو تدابير تدخل في صميم تنفيذ برنامج حكومي لم يعرض بعد على البرلمان، أو مارست اختصاصات لا تدخل ضمن المهام الانتقالية التي تحددها المادة 38، فإن مشروعية تلك الأفعال تصبح موضع تساؤل جدي.
والأمر نفسه يقتضي فحص القرارات التي تحدث آثارا قانونية مستمرة، أو تقيد خيارات الحكومة التي ستتحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان، أو تتجاوز التدابير الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
ومع ذلك، ينبغي تجنب التعميم: ليس كل قرار مهم بالضرورة غير مشروع، ولا كل قرار إداري مشروع لمجرد وصفه بأنه ضروري، بل يجب فحص كل حالة في ضوء الاختصاص القانوني والسند الذي يسمح بممارسة ذلك الاختصاص خلال المرحلة الانتقالية.
رابعا: مناقشة بعض التعليقات الصادرة حول الموضوع
1. بخصوص القول إن الفصل 88 لا يمنع صراحة تسليم السلط
هذا الرأي سليم في جوهره، لكنه يحتاج إلى استكمال.فصحيح أن الفصل 88 لا يتضمن منعا صريحا لمراسم تسليم السلط قبل التصويت على البرنامج الحكومي، وصحيح كذلك أن مجرد حصول هذه المراسم لا يكفي لإثبات وقوع مخالفة دستورية.
غير أن الاستدلال لا ينبغي أن يتوقف عند الفصل 88، فالمادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 هي النص الذي يعالج مباشرة وضعية الحكومة الجديدة قبل التنصيب، ويحدد ما يجوز لها القيام به خلال هذه الفترة، وبالتالي، فإن السؤال القانوني لا يقتصر على: هل منع الفصل 88 تسليم السلط؟ بل نعتقد انه يتعين أن يشمل سؤالا آخر أكثر أهمية وهو: هل اقتصرت ممارسة المسؤولية الوزارية على الاختصاصات المسموح بها قبل التنصيب، أم تجاوزتها إلى ممارسة صلاحيات حكومية لا يجيزها الإطار القانوني لهذه المرحلة؟
لهذا، فإن القول بضرورة إثبات الفعل المخالف والمقتضى الذي يمنعه قول وجيه في نظرنا، لكن إثبات المخالفة لا يتطلب بالضرورة العثور على مادة تستعمل عبارة “يمنع تسليم السلط”؛ فقد تنشأ المخالفة من تجاوز حدود الاختصاصات التي حددها القانون.
2. بخصوص التعليقات التي استندت إلى المادة 38
هذه التعليقات في راينا هي أقرب إلى الدقة القانونية من الرأي الذي يعتبر مجرد تسليم السلط خرقا دستوريا، لكنها تتضمن بدورها بعض التبسيط الذي يستوجب التنبيه إليه.
أولا، إن ترتيب المراحل الأربع، من التعيين الملكي إلى التصويت البرلماني، مفيد لتوضيح المسطرة الدستورية، لكنه لا يعني أن كل نشاط حكومي يجب أن يتوقف كليا إلى حين انتهاء المرحلة الرابعة.
ثانيا، إن المادة 38 لا تقتصر على إعداد البرنامج الحكومي وإصدار قرارات التفويض، بل تسمح أيضا بممارسة الصلاحيات المحال عليها من المادة 37، بما يتيح اتخاذ تدابير إدارية ضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
ثالثا، لا ينبغي تحويل هذا الاختصاص الانتقالي إلى صلاحية تنفيذية كاملة، فالمادة 38 تحدد مهام الحكومة الجديدة قبل التنصيب، ولا تنص على أنها تمارس جميع اختصاصات الحكومة المنصبة دون تمييز.
رابعا، من الضروري التمييز بين مشروعية مراسيم التسليم ومشروعية القرارات التي قد تصدر عقبها، فحتى لو كانت المراسيم سليمة، فإن ذلك لا يصحح تلقائيا أي قرار قد يتجاوز الحدود القانونية للمرحلة الانتقالية.
والخلاصة هنا أن التعليق الثاني محق في نفي الحظر المطلق، لكنه لا ينبغي أن يفهم على أنه يثبت المشروعية المطلقة.
خامسا: البعد السياسي والدستوري للمسألة
لا يقتصر النقاش على تفسير نص قانوني، بل يتعلق أيضا بمبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان، فالفصل 89 من الدستور يجعل الحكومة مسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، بينما يربط الفصل 88 تنصيبها بحصول برنامجها على ثقة مجلس النواب. وتكمن أهمية هذا الترابط في أن البرنامج الحكومي ليس وثيقة إدارية عادية، بل هو الإطار السياسي الذي تعتزم الحكومة من خلاله ممارسة مسؤوليتها التنفيذية، ويعرض على البرلمان لمناقشته والتصويت عليه.
ومن ثم، فإن السماح بتدابير انتقالية قبل التنصيب يهدف إلى منع الفراغ الإداري، وليس إلى إفراغ التنصيب البرلماني من مضمونه.
وهذا يقتضي التوفيق بين مبدأين:
مبدأ استمرارية المرافق العمومية: الذي يمنع تعطيل الإدارة ومصالح المواطنين بسبب انتقال المسؤولية الحكومية.
مبدأ المسؤولية السياسية أمام البرلمان: الذي يقتضي عدم تحويل المرحلة السابقة على التنصيب إلى فرصة لممارسة اختصاصات حكومية كاملة قبل استكمال المسطرة الدستورية.
ومن هذا المنظور، فإن احترام الدستور لا يتحقق بمجرد إقامة مراسيم التسليم في موعد معين، ولا بمجرد تأجيلها إلى ما بعد التصويت البرلماني، وإنما يتحقق أساسا باحترام الحدود القانونية للاختصاصات خلال المرحلة الانتقالية.
سادسا: ما الموقف القانوني الذي يمكن الدفاع عنه؟
نرى أن الموقف الأكثر تماسكا من الناحية الدستورية هو الآتي:
لا يكفي مجرد تنظيم مراسيم تسليم السلط قبل نيل الثقة البرلمانية للقول بوجود خرق دستوري.
لا يمنح التعيين الملكي الحكومة الجديدة حق ممارسة جميع الاختصاصات الحكومية دون تمييز قبل التنصيب.
توفر المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 سندا قانونيا لممارسة الحكومة الجديدة اختصاصات محددة قبل التنصيب، بما فيها التدابير الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية.
إذا أريد إثبات وجود خرق دستوري أو قانوني، فيجب تحديد القرارات أو الأفعال التي تمت، وطبيعتها، وسندها القانوني، وبيان وجه تجاوزها للحدود المقررة للمرحلة الانتقالية.
ويترتب على ذلك أن الحكم على خطوة رئيسة الحكومة لا ينبغي أن يكون حكما سياسيا مسبقا، سواء بالإدانة أو بالتبرير، وإنما تقييما قانونيا يستند إلى طبيعة ما وقع فعلا.
ومن المهم كذلك عدم الخلط بين القول إن إجراء معينا غير مشروع، وبين الجزم بأن ذلك يشكل خرقا دستوريا بالمعنى الدقيق؛ إذ يتطلب هذا الوصف تحديد المقتضى الدستوري المنتهك، مع مراعاة العلاقة بين الدستور والقانون التنظيمي المنظم لوضعية الحكومة قبل التنصيب.
خاتمة
إن جوهر النقاش ليس فيما إذا كان يجوز إقامة مراسيم تسليم السلط قبل حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب، وإنما في تحديد الأثر القانوني للتعيين الملكي وحدود الاختصاصات التي يمكن ممارستها قبل التنصيب البرلماني. فالفصل 88 يحدد شرط التنصيب، والمادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 تنظم مهام الحكومة الجديدة خلال الفترة السابقة عليه. ومن ثم، فإن القراءة المتكاملة للنصين لا تسند القول بوجود حظر مطلق لتسليم السلط، كما لا تسند القول بأن التعيين الملكي يخول ممارسة جميع الصلاحيات الحكومية دون قيد.
وعليه، فإن الموقف القانوني الأكثر دقة – في نظرنا- هو أن مراسيم تسليم السلط لا تشكل، بمجردها، خرقا دستوريا، لكن لا يجوز اتخاذها مدخلا لممارسة اختصاصات تتجاوز ما يسمح به القانون قبل التنصيب، أما الجزم بوقوع المخالفة في الحالة المعروضة، فيظل متوقفا على تحديد الأفعال التي تمت بالفعل وفحص مدى توافقها مع المادة 38 وباقي النصوص الدستورية والتنظيمية ذات الصلة.
وذلك هو الفارق بين نقاش دستوري جاد يحدد الفعل والمقتضى القانوني المنطبق عليه، وبين سجال سياسي يطلق أحكاما عامة قبل استكمال عناصر التكييف القانوني، والله اعلم.













