ماديحة خيير.. هل يُعقل أن تظل وزيرة أسيرة وثيقة طبية عمرها 22 سنة؟

منذ ساعة واحدة
ماديحة خيير.. هل يُعقل أن تظل وزيرة أسيرة وثيقة طبية عمرها 22 سنة؟

كلاش بريس / الرباط

لم يكد تعيين ماديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل يمر، حتى جرى تداول وثيقة طبية منسوبة إليها، تحمل تاريخ سنة 2004، وتتضمن معطيات مرتبطة بوضعها الصحي والنفسي.

وبصرف النظر عن صحة الوثيقة ومصدرها، فإن توقيت ظهورها يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مضمونها إلى الحق في الخصوصية، وحدود التعامل مع الماضي الصحي للأشخاص، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية سياسية جديدة.

السؤال هنا بسيط: إذا كانت ماديحة خيير قد مرت بظرف صحي قبل 22 سنة، فهل يعني ذلك أنها مطالبة بالتوقف عن مواصلة حياتها المهنية والسياسية؟ وهل ينبغي أن تظل أسيرة تلك المرحلة، حتى لا يجد البعض مناسبة للتشكيك فيها أو النيل من صورتها بعد وصولها إلى الحكومة؟

من حق الإنسان أن يمرض، ومن حقه أن يبحث عن العلاج، ومن حقه أن يتجاوز محنه ويواصل حياته. فالمرض ليس اختيارا، وطلب المساعدة الطبية ليس عيبا، كما أن المرور من مرحلة صحية صعبة لا يعني أن الإنسان فقد حقه في الطموح أو في بناء مستقبل مختلف.

وإذا كانت الوثيقة المتداولة تعود بالفعل إلى سنة 2004، فإن مرور أكثر من عقدين يفرض التعامل معها بحذر، لا تحويلها إلى حكم جاهز على الحاضر. فلا يمكن استنتاج الوضع الصحي الراهن لشخص انطلاقا من وثيقة قديمة، كما لا يمكن اعتبار مجرد وجود شهادة طبية دليلا على عدم القدرة على تحمل المسؤولية.

والأمر لا يتعلق هنا بمنح ماديحة خيير معاملة خاصة، بل بمبدأ ينبغي أن يشمل الجميع. فالمسؤول السياسي، قبل أن يكون وزيرا أو برلمانيا أو قياديا حزبيا، هو إنسان له حياته الخاصة، وله الحق في العلاج والخصوصية، ما دام النقاش لا يتعلق بوقائع ثابتة ترتبط مباشرة بأدائه العام أو بممارسته للمسؤولية
.
ومن المفارقات أن ماديحة خيير واصلت مسارها المهني والسياسي بعد التاريخ الذي تحمله الوثيقة، وتولت مسؤوليات متعددة، من بينها مهام بالمكتب الوطني للمطارات، ومسؤولية الكتابة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، فضلا عن تجربتها البرلمانية. وهذه المحطات لا تشكل تشخيصا لحالتها الصحية، لكنها تؤكد أن مسار الإنسان لا ينبغي اختزاله في واقعة قديمة أو وثيقة متداولة خارج سياقها.

لماذا ظهرت الوثيقة الآن؟

هذا هو السؤال الذي يستحق التوقف عنده. لماذا خرجت وثيقة تعود إلى سنة 2004 إلى التداول مباشرة بعد تعيين صاحبتها في منصب وزاري؟ ومن أين حصل عليها من نشرها؟ وهل جرى احترام القواعد المتعلقة بسرية المعطيات الصحية وحماية الحياة الخاصة؟

لا تتوفر، في حدود المعطيات المتاحة، عناصر كافية لتحديد مصدر التسريب أو الجزم بوجود خرق للسر المهني، كما لا يمكن نسبة المسؤولية إلى جهة بعينها من دون أدلة. لكن توقيت ظهور الوثيقة يبرر طرح أسئلة واضحة بشأن ظروف تداولها، والغاية من إعادة نشرها في هذه المرحلة بالذات.

فإذا كان الحصول على الوثيقة قد تم من مصدر يفترض أن يحافظ على سريتها، فإن الأمر يستدعي التحقق من كيفية خروجها إلى العلن، وتحديد المسؤوليات على أساس القانون والأدلة.

أما إذا كانت قد وصلت إلى التداول عبر مسار آخر، فيبقى السؤال قائما حول مشروعية نشر معطيات صحية شخصية، ومدى احترام حق المعنية بالأمر في حياتها الخاصة.

ولا ينبغي أن يتحول مجرد التسريب إلى مبرر لتوجيه الاتهامات، مثلما لا ينبغي أن تتحول الوثيقة نفسها إلى وسيلة للتشهير. فالمطلوب هو التحقق من الوقائع، لا إطلاق الأحكام المسبقة.

الأخطر في هذه القضية هو الرسالة التي يمكن أن تصل إلى المواطنين، خصوصا أولئك الذين مروا بظروف نفسية صعبة أو احتاجوا إلى متابعة طبية. هل عليهم أن يخشوا طلب العلاج، حتى لا يجدوا أنفسهم مستقبلا أمام محاكمة اجتماعية إذا تقلدوا مسؤولية أو حققوا نجاحا مهنيا؟

إن الصحة النفسية جزء من الصحة العامة، واللجوء إلى طبيب مختص لا يشكل في حد ذاته دليلا على العجز، تماما كما لا تسمح وثيقة قديمة بإصدار حكم طبي على الحالة الراهنة لصاحبها. وأي تقييم جدي للأهلية الصحية، عندما يكون ضروريا ومبررا قانونا، ينبغي أن يستند إلى معطيات حالية وموثوقة، لا إلى صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن حق الرأي العام أن يسائل ماديحة خيير عن تدبير قطاع التكوين المهني، وعن قراراتها وبرامجها ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الحكومية. ومن حق الصحافة أن تراقب أداءها وتنتقده، لكن ذلك يختلف تماما عن تحويل تاريخ صحي شخصي إلى مادة للتشهير أو التشكيك المجرد.

إن الدفاع عن ماديحة خيير في هذه القضية لا يعني إعفاءها من النقد، ولا يعني التسليم بصحة الوثيقة أو نفيها دون تحقق. إنه دفاع عن مبدأ أوسع: ألا يتحول المرض إلى وصمة، وألا يصبح العلاج سببا للإقصاء، وألا يُحاكم الإنسان إلى الأبد على مرحلة من حياته مهما طال الزمن.

فإذا كانت هناك أسئلة حقيقية بشأن الوثيقة، فإن الإجابة عنها تبدأ بالتحقق من صحتها ومصدرها وسياقها، وليس بالتشهير بصاحبتها أو افتراض أن وضعا صحيا قديما يحدد مستقبلها.

أما السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط هذا الجدل، فهو: من سرّب الوثيقة، وكيف وصلت إلى التداول، ولماذا ظهرت في هذا التوقيت؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.