كلاش بريس / الرباط
تحولت لحظة انكسار عاشها الكاتب الجزائري حامد ياسين، خلال حفل توقيع كتابه بمدينة بئر العاتر، أقصى شرق الجزائر، إلى مشهد استثنائي أثار تعاطفا واسعا في الأوساط الثقافية العربية، بعدما وجد نفسه أمام قاعة شبه خالية، ونسخ من كتابه تنتظر قراء لم يأتوا.
في المقطع المصور الذي حصد مئات الآلاف من المشاهدات، بدا الكاتب جالسا خلف مكتبه، محاطا بنسخ من مؤلفه الجديد، عاجزا عن حبس دموعه أمام صمت القاعة وفراغ المقاعد.
لم يكن إلى جانبه سوى صديق واحد اختار أن يشاركه اللحظة، فبقي مواسيا له، يحاول التخفيف عنه في موعد كان يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بعمل أدبي جديد، لا لحظة يواجه فيها صاحبه خيبة الانتظار.
ولم يتوقف أثر المشهد عند حدود الجزائر، بل امتد إلى المغرب، حيث عبّر الكاتب سعيد حاجي عن تأثره بما حدث، مستحضرا ما يرافق إصدار كتاب جديد من أحلام وتوقعات، وما ينسجه المؤلف في مخيلته من صور للقاء قرائه، والاستماع إلى آرائهم، ومناقشة الأفكار التي أمضى وقتا طويلا في صياغتها.
وتوقف حاجي عند المسافة المؤلمة بين تلك التوقعات والواقع، حين يجد الكاتب نفسه أمام مقاعد فارغة، بعدما تخيل أن القاعة ستجمعه بأشخاص تقاسموا معه الاهتمام بالكلمة والفكرة. فالمشهد، في نظره، لا يختزل مجرد فشل في تنظيم موعد للتوقيع، بل يضع المثقف أمام سؤال أكثر عمقا: لمن يكتب، ومع من يتقاسم حصيلة تجربته وتأملاته، إذا غابت الكتب عن تفاصيل الحياة اليومية للناس؟
وفي قراءته لهذه الواقعة، قارن الكاتب المغربي بين قدرة الأنشطة الفنية والترفيهية على استقطاب الجماهير، والصعوبة التي تواجهها اللقاءات الثقافية في جذب الجمهور، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في إقبال الناس على الموسيقى أو الترفيه في حد ذاتهما، وإنما في تحوّل الثقافة إلى شأن مؤجل، لا يحظى دائما بالمكانة التي يستحقها في اهتمامات المجتمع.
وتعيد دموع حامد ياسين إلى الواجهة نقاشا قديما متجددا حول واقع القراءة، وموقع الكتاب في الحياة العامة، ومدى قدرة الفاعلين الثقافيين على تقريب الأدب من الجمهور. فبين كاتب ينتظر قراءه، وكتاب يظل حبيس النسخ المعروضة فوق طاولة التوقيع، تبرز أسئلة تتعلق أيضا بسبل الترويج للأعمال الأدبية، وطبيعة الأنشطة الثقافية، وقدرتها على الوصول إلى جمهور يتجاوز دائرة الأصدقاء والمعارف.
ومع ذلك، فإن القاعة الفارغة لا تكفي وحدها للحكم على قيمة الكتاب أو مكانة صاحبه، بقدر ما تكشف عن فجوة محتملة بين الإنتاج الأدبي والجمهور، وعن حاجة اللقاءات الثقافية إلى وسائل تواصل وترويج أكثر فعالية.
لقد تحولت دموع الكاتب الجزائري إلى أكثر من لحظة شخصية مؤلمة؛ صارت صورة تختصر وجع الكاتب حين لا يجد من يصغي إليه، وتطرح على الوسط الثقافي سؤالا لا يمكن تجاهله: كيف يمكن للكتاب أن يجد طريقه إلى الناس، إذا ظل الاحتفاء به مناسبة عابرة لا تستقطب إلا القليل؟













