فتح الله حافظي
ليست المشكلة في أن ترفع الحكومة شعار «تغيير المسار»، بل في أن تطلب من المغاربة تصديق القطيعة مع سياسات كانت شريكة في صناعتها. من هنا تنطلق مداخلة المجموعة النيابية لتحالف اليسار الديمقراطي في مناقشة التصريح الحكومي: مساءلة حكومة لا يمكنها التنصل من إرث المرحلة السابقة، واختبار صدقية وعودها أمام واقع الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات العمومية وتفاقم الفوارق الاجتماعية.
لم تكن المداخلة مجرد اعتراض على برنامج حكومي، بل مواجهة سياسية حول من يتحمل كلفة الاختيارات القائمة، ومن يستفيد منها، ومن يُحاسَب على نتائجها. وبين شعار «تغيير المسار» وشعار «الكرامة أولا»، وضعت المعارضة سؤالا مركزيا: هل نحن أمام تحول حقيقي في السياسات، أم أمام إعادة صياغة للوعود وتأجيل للاستحقاقات؟
استحضرت المداخلة قضية «صاك طنجة» وإعفاء وزيرة بعد وقت وجيز من تعيينها، لتطرح سؤال الكفاءة والمسؤولية السياسية منذ اللحظة الأولى. فالقطيعة لا تُعلن بالخطب، بل تُثبت بالممارسة، ولا تُقاس بتغيير الوجوه، بل بتغيير قواعد التدبير وربط السلطة بالمحاسبة.
من أزمة التدبير إلى سؤال الديمقراطية
تجاوزت المداخلة حدود البرنامج الحكومي لتطرح سؤال الإصلاح السياسي والدستوري، من خلال المطالبة بالملكية البرلمانية، والفصل الفعلي بين السلط، واستقلال القضاء، وتقوية الرقابة البرلمانية.
وهو ربط جوهري بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية: فلا تنمية عادلة دون مؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا محاربة جدية للفساد دون قضاء مستقل وقواعد واضحة تمنع تضارب المصالح والإفلات من العقاب.
الاختبارات الخمسة: من الوعود إلى المحاسبة
شكلت الاختبارات الخمسة أقوى عناصر المداخلة، لأنها وضعت البرنامج الحكومي أمام قضايا ملموسة: التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، والعدالة الجبائية، والمحاسبة.
في التشغيل، لا يكفي التكوين لتعويض غياب أهداف واضحة لإحداث مناصب الشغل. وفي القدرة الشرائية، لا يمكن تحويل الوعود المتعلقة بالأجور والمعاشات والدعم إلى التزامات مؤجلة باستمرار، تحت ذريعة التدرج والإمكانات المالية.
وفي الصحة والتعليم، يظل الرهان هو ضمان خدمات عمومية جيدة وممولة بما يكفي، فيما تطرح العدالة الجبائية السؤال الحاسم: من سيدفع ثمن التنمية؟ أسيستمر تحميل الأجراء والطبقة الوسطى العبء الأكبر، أم تتجه الدولة إلى تضريب الثروة والريع ومحاربة التهرب الضريبي والاحتكار؟
أما المحاسبة، فلا تستقيم بخطاب محاربة الفساد وحده، بل بتحديد الآجال والمؤشرات، ونشر المعطيات، وترتيب المسؤوليات والجزاءات.
تكمن أهمية هذه الاختبارات في أنها تمنح المعارضة اليسارية معايير واضحة لمراقبة الحكومة طيلة ولايتها، وتجعل الوعود الانتخابية قابلة للمقارنة بالنتائج الفعلية.
الكرامة بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية
ربطت المداخلة العدالة الاجتماعية بالسيادة الاقتصادية، من خلال الدعوة إلى إعادة تشغيل مصفاة «سامير»، وتعزيز الإنتاج الوطني، وحماية الموارد المائية والأمن الغذائي. وهي بذلك تطرح سؤال النموذج التنموي: هل يخدم حاجيات المجتمع أم يعمق التبعية ويستنزف موارده؟
كما وسعت مفهوم الكرامة ليشمل الحقوق والحريات، والمطالبة بالعفو العام عن المعتقلين السياسيين، وإنصاف الأمازيغية، وضمان المشاركة الانتخابية لمغاربة العالم، والمساواة الفعلية، وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وصيانة حقوق المتقاعدين.
وعلى المستوى الدولي، أكدت المداخلة التمسك بالوحدة الترابية، والدفاع عن استرجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، والانتصار لحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
هذا الاتساع يعكس تصورا للكرامة يتجاوز الدخل والخدمات، ليشمل الحرية والمواطنة المتساوية والهوية والسيادة. لكنه يطرح أيضا تحديا تواصليا: كيف يمكن استيعاب كل هذه القضايا في مداخلة من سبع دقائق دون أن تتحول بعضها إلى إشارات عابرة؟ هنا تبرز الحاجة إلى ترتيب الأولويات وتحويل الملفات الكبرى إلى مبادرات برلمانية متخصصة.
من قوة النقد إلى مسؤولية البديل
لا تتوقف أهمية المداخلة عند رفض البرنامج الحكومي، بل في ربط هذا الرفض ببرنامج «الكرامة أولا». غير أن الاختبار الحقيقي لتحالف اليسار يبدأ بعد الخطاب: تحويل المواقف إلى مقترحات تشريعية، والأسئلة إلى آليات رقابة، والبدائل إلى إجراءات واضحة من حيث التمويل والآجال والنتائج المنتظرة.
فالمعارضة لا تكتسب قوتها من كشف تناقضات الحكومة فحسب، بل من قدرتها على إقناع المواطنين بأن هناك طريقا آخر ممكنا، وأكثر عدلا واستجابة لحاجياتهم.
في المحصلة، لا قيمة لشعار «تغيير المسار» إذا استمرت السياسات نفسها، ولا معنى للوعود الاجتماعية إذا ظل المواطن يؤدي فاتورة الغلاء، بينما يواصل الريع والاحتكار حصد الامتيازات والإفلات من المحاسبة. فالحكومة التي تؤجل التزاماتها إلى نهاية الولاية، وتحيل حقوق المغاربة على «الإمكانات المالية»، لا تقدم ضمانات للإنصاف، بل تترك الباب مفتوحا لاستمرار الاختلالات نفسها بعبارات جديدة.
أما تحالف اليسار، فليس أمامه ترف الاكتفاء بخطاب معارض قوي أو تسجيل مواقف رافضة؛ بل هو مطالب بتحويل «الكرامة أولا» إلى مواجهة سياسية وتشريعية ضد الفساد والريع وتضارب المصالح، وضد كل سياسة تجعل حقوق المغاربة رهينة بحسابات السلطة ومصالح الأقوياء.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى حكومة تتقن صناعة الوعود، بل إلى دولة تضمن الحقوق وتحاسب المسؤولين. ولا يحتاجون إلى تغيير المسار في الخطاب، بل إلى تغيير حقيقي في منطق الحكم وتوزيع الثروة وممارسة السلطة.
وإذا اختارت الحكومة تأجيل الأجوبة، فإن دور المعارضة هو منع تأجيل المحاسبة. وإذا راهنت الأغلبية على أن تطوي الوعود المنسية بمرور الوقت، فعلى اليسار أن يجعل من كل وعد غير منفذ قضية سياسية، ومن كل اختلال ملفا للمساءلة، ومن كل حق مهضوم معركة لا تُغلق بالتبريرات.
فالكرامة ليست منّة من الحكومة، والعدالة ليست امتيازا للأقوياء، والمحاسبة ليست خيارا مؤجلا. إما أن تتحول هذه المبادئ إلى حقوق فعلية، وإما أن ينكشف «تغيير المسار» باعتباره تغييرا في الشعارات لا في السياسات. وهنا تبدأ معركة اليسار الحقيقية: ألا يسمح للسلطة بأن تجعل من النسيان بديلا عن المحاسبة، ومن الانتظار سياسة، ومن كرامة المغاربة وعدا انتخابيا آخر.













