كتبه / سعيد بنقاور
تبدو المدرسة الرائدة، في أصل فكرتها، مشروعاً إيجابياً يروم إصلاح التعليم العمومي، والارتقاء بمستوى التلاميذ في القراءة والحساب، وتوفير وسائل تعليمية حديثة داخل الفصول الدراسية. غير أن الممارسة اليومية تكشف عن اختلالات تطرح أسئلة جدية حول طريقة تنزيل هذا المشروع، وحول الثمن الذي يدفعه الأطفال والأسر والأساتذة في سبيل إنجاحه.
يدخل التلاميذ إلى المدرسة في الثامنة والنصف صباحاً، ولا يغادرونها إلا في الخامسة مساءً، ثم يعودون إلى منازلهم محملين بالواجبات والتمارين، ليجدوا أنفسهم أمام ساعات إضافية من الدراسة قد تمتد إلى التاسعة أو العاشرة ليلاً. وبين ساعات الفصل الدراسي ومتطلبات العمل المنزلي، تضيق مساحة الراحة، وتتراجع فرص اللعب والترفيه، وكأن الطفل لم يعد مطالباً بالتعلم فقط، بل بتكريس يومه كله للدراسة.
وتزداد الصعوبات مع التمارين التي تتطلب استعمال منصات إلكترونية لا تعمل دائماً بالشكل المطلوب، ومتابعة مقاطع فيديو تستلزم توفر اتصال بالإنترنت. وهنا تبرز معاناة الأسر محدودة الدخل، التي لا تتوفر بالضرورة على هذه الإمكانات، فضلاً عن الآباء والأمهات الذين لا يملكون المستوى الدراسي الذي يسمح لهم بمساعدة أبنائهم على إنجاز التمارين وفهم الدروس. فكيف يمكن مطالبة جميع الأسر بالانخراط في هذه العملية، في ظل تفاوت إمكاناتها المادية ومستوياتها التعليمية؟
ولا تتوقف المتاعب عند هذا الحد، إذ تمتد الدراسة إلى يوم السبت، ما يقلص أكثر الوقت المتاح للأطفال للراحة وقضاء أوقاتهم مع أسرهم وأصدقائهم. فأين حق هؤلاء الأطفال في اللعب والترفيه؟ ومتى يجدون الوقت لممارسة أنشطتهم اليومية بعيداً عن ضغط الدراسة والواجبات؟ إن الطفولة ليست مجرد مرحلة ينبغي ملؤها بالدروس والتمارين، بل فترة أساسية في بناء شخصية الطفل ونموه النفسي والاجتماعي.
أما الأستاذ، فيجد نفسه أمام أعباء متزايدة، في أقسام قد يصل عدد تلاميذها إلى 38 تلميذاً، وباستعمال معدات عرض معطلة أحياناً، إلى جانب مطالب توثيق الأنشطة وتعبئة المعطيات عبر منظومة «مسار»، وإنجاز حصص الدعم، وإعداد التمارين والوثائق، التي يضطر بعضهم إلى طباعتها على نفقته الخاصة.
ويطرح التكوين بدوره إشكالاً أساسياً، إذ يشتكي عدد من الأساتذة من عدم استفادتهم من تكوين كافٍ يؤهلهم لتطبيق المقاربة الجديدة. ويجد الأستاذ نفسه مضطراً إلى البحث خارج ساعات العمل عن طرق تدريس الحساب والقراءة، واستيعاب أساليب لم يسبق له التمكن منها بالشكل الكافي، حتى يتمكن من شرحها لتلاميذه. وهكذا، يتحول جزء من وقت الراحة إلى ساعات إضافية من التحضير والتعلم، في ظل مسؤوليات مهنية متزايدة لا تواكبها دائماً الشروط الضرورية للنجاح.
لا يتعلق الأمر برفض إصلاح التعليم العمومي، ولا بالتشكيك في أهمية تطوير المناهج وطرائق التدريس، بل بالتساؤل عن جدوى مشروع تربوي إذا كان تنزيله يثقل كاهل الطفل، ويربك الأسرة، ويضع الأستاذ أمام متطلبات تفوق الإمكانات المتاحة له. فنجاح المدرسة الرائدة لا ينبغي أن يقاس بعدد ساعات الدراسة أو حجم الواجبات، وإنما بمدى تحسن التعلمات، وجودة التحصيل، وقدرة المدرسة على توفير فرص متكافئة لجميع التلاميذ.
إن إنجاح هذا المشروع يقتضي توفير تكوين فعلي ومستمر للأساتذة، وتجهيز المؤسسات بمعدات صالحة للاستعمال، وضمان اشتغال المنصات الرقمية، ومراعاة الأوضاع الاجتماعية للأسر، فضلاً عن إعادة النظر في حجم الواجبات المنزلية والوقت المخصص للدراسة، بما يضمن التوازن بين التحصيل الدراسي والحياة الشخصية للطفل.
فلا يمكن بناء مدرسة ناجحة على حساب طفولة التلاميذ، ولا مطالبة الأستاذ بتحقيق نتائج أفضل دون توفير شروط العمل المناسبة. إن الطفل ليس آلة لإنجاز التمارين، والأستاذ ليس مجرد منفذ للتوجيهات، والإصلاح الحقيقي هو الذي يطور التعلمات دون أن يحول المدرسة إلى مصدر دائم للإرهاق والضغط.
فاللعب ليس نقيضاً للتعلم، بل جزء منه، والطفولة ليست وقتاً ضائعاً ينبغي استغلاله في المزيد من الواجبات، بل حق أصيل لا يجوز أن يسلبه أي مشروع إصلاحي من الأطفال.













