لقجع بين بريق الملاعب وثقل المالية.. هل تنتهي مرحلة صناعة البطل الرياضي أمام امتحان تدبير شؤون المغاربة؟

22 أكتوبر 2026
لقجع بين بريق الملاعب وثقل المالية.. هل تنتهي مرحلة صناعة البطل الرياضي أمام امتحان تدبير شؤون المغاربة؟

كلاش بريس / الرباط

لم يعد السؤال المطروح بشأن فوزي لقجع، بعد تعيينه وزيرا للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في الحكومة الجديدة، مرتبطا فقط بقدرته على الجمع بين مسؤولياته الحكومية ومهامه على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بل أصبح يتعلق أيضا بحدود الصورة التي صنعتها كرة القدم للرجل، ومدى قدرتها على الاستمرار حين ينتقل إلى قطاع تتحدد نتائجه بأرقام الميزانية، والضرائب، والدين العمومي، والقدرة الشرائية للمواطنين.

فلقجع الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالإنجازات الكروية المغربية، وبالحضور في المحافل الرياضية الكبرى، يدخل اليوم مجالا مختلفا في طبيعته وحساباته. ففي كرة القدم، يمكن لانتصار في مباراة أو تأهل إلى نهائي أن يتحول إلى لحظة فرح جماعي، وأن يمنح المسؤولين عن اللعبة رصيدا من الشعبية والتقدير. أما في المالية العمومية، فلا تكفي الصور في المناسبات ولا الخطابات المطمئنة لصناعة النجاح، لأن الاختبار الحقيقي يكمن في انعكاس القرارات الاقتصادية على حياة المواطنين.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن حقيبة الاقتصاد والمالية ليست مجرد منصب حكومي إضافي، بل هي واحدة من أكثر القطاعات حساسية، بالنظر إلى ارتباطها بموارد الدولة ونفقاتها، وتمويل السياسات العمومية، وتوازنات الميزانية، وتدبير المديونية، فضلا عن تأثير اختياراتها في الاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية. وهي ملفات لا تمنح المسؤول فرصة الاختباء طويلا خلف رصيد سابق من الإنجازات، لأن المواطن يقيس نتائجها بما يتبقى في جيبه، وبما يجده من فرص للشغل، وبمدى تحسن الخدمات التي يحتاج إليها.

من هنا يبرز سؤال حضور لقجع في المناسبات الكروية، وما إذا كان سيواصل الظهور بالوتيرة نفسها التي اعتادها الجمهور. فالرجل لا يرتبط بكرة القدم بصفته مشجعا أو ضيفا عابرا، وإنما باعتباره رئيسا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهي مسؤولية لها التزاماتها ومواعيدها. غير أن انتقاله إلى وزارة الاقتصاد والمالية يفرض إعادة ترتيب الأولويات، حتى لا يبدو أن الانشغال بالمشهد الرياضي يحظى بالوقت والاهتمام نفسيهما اللذين تتطلبهما مسؤولية تدبير مالية البلاد.

ولا يعني ذلك أن كل حضور رياضي سيكون على حساب العمل الحكومي، أو أن نجاح المسؤول في مجال معين يقتضي انسحابه من مجال آخر. لكن تعدد المسؤوليات يفرض وضوحا في توزيع الوقت والجهد، خصوصا حين يتعلق الأمر بوزارة يرتبط أداؤها مباشرة بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. كما أن استمرار لقجع على رأس الجامعة يطرح سؤالا مؤسساتيا بشأن كيفية تدبير التداخل بين المسؤوليتين، وضمان ألا تطغى إحداهما على الأخرى.

أما الجانب الأكثر إثارة للنقاش، فيتعلق بتأثير الصورة الرياضية في نظرة المغاربة إلى المسؤول الحكومي. فقد اعتاد الجمهور رؤية لقجع في سياق الإنجازات الكروية، حيث تتشكل صورة المسؤول الناجح من خلال نتائج واضحة، وانتصارات قابلة للاحتفاء، ومنافسات تمنح الجمهور إحساسا بالفخر الجماعي. ومع تكرار هذه المشاهد، قد تتكون لدى جزء من الرأي العام صورة ذهنية تختزل الرجل في قدرته على تحقيق النجاحات، وتمتد تلقائيا من المجال الرياضي إلى المجال السياسي والاقتصادي.

لكن هذا الانتقال ليس مضمونا. فالنجاح في تدبير كرة القدم لا يشكل، في حد ذاته، دليلا كافيا على النجاح في تدبير المالية العمومية، تماما كما أن الإخفاق في ملف اقتصادي لا يلغي بالضرورة ما تحقق في المجال الرياضي. نحن أمام مجالين مختلفين في الأدوات والنتائج وآليات المحاسبة، حتى وإن اشتركا في الحاجة إلى التخطيط والقدرة على التفاوض والتدبير.

والخطر لا يكمن في شعبية لقجع، ولا في الاحتفاء بالإنجازات الرياضية المغربية، بل في أن تتحول هذه الشعبية إلى رصيد من الثقة غير المشروطة، يجعل المواطن يؤجل تقييم الأداء الحكومي إلى حين ظهور النتائج. فالكرة تمنح الجمهور انتصارات سريعة وواضحة، بينما تتطلب الإصلاحات الاقتصادية وقتا، وتخضع آثارها لعوامل متعددة، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل المحاسبة أو الاكتفاء بالوعود.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ أيضا افتراض أن كل ظهور رياضي مقصود به تسويق صورة سياسية، أو أن الاحتفاء بإنجازات الكرة يستهدف صرف الأنظار عن الملفات الاجتماعية. فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة، ولا يمكن استخلاصها من مجرد حضور مسؤول في مناسبة رياضية. غير أن من حق الرأي العام أن يتساءل عن حدود التداخل بين الشعبية الرياضية والصفة الحكومية، وعن الكيفية التي ستنعكس بها المسؤولية الجديدة على أولويات الرجل وأسلوب حضوره العمومي.

لقد منحت كرة القدم لقجع مساحة واسعة في الوعي الجماعي المغربي، لكن وزارة الاقتصاد والمالية تضعه أمام اختبار مختلف، لا تحسمه نتائج المباريات ولا تصفيق الجماهير. فهنا، ستكون المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ووضوح القرارات، والقدرة على تفسير الاختيارات الحكومية، عناصر أساسية في تقييم أدائه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.