كلاش بريس / القسم الفني
في المشهد الفني المغربي، يبرز اسم بنسعيد كأحد الوجوه اللامعة التي أعادت للعيطة المرساوية والعيطة الشعبية بريقهما وهيبتهما، في زمن تعرّض فيه هذا اللون التراثي لمحاولات التبسيط المخلّ أو التسطيح التجاري. بنسعيد ليس مجرد مؤدٍّ، بل هو حامل ذاكرة، وصوتُ امتدادٍ ثقافي عميق، يُنصت للتراث بقدر ما يُجيد مخاطبة الحاضر.
منذ بداياته، اختار بنسعيد أن يسلك طريقًا صعبًا: طريق الوفاء للأصل دون الانغلاق، والتجديد دون التفريط. فصوته المشحون بالقوة والشجن، وأداؤه المتزن الذي يحترم مقامات العيطة وإيقاعاتها، جعلاه يحظى بتقدير العارفين قبل إعجاب الجمهور الواسع. في العيطة المرساوية تحديدًا، يُحسب له أنه أعاد الاعتبار لروح “المرسى” بما تحمله من حكايات البحر والمدينة والناس، وجعلها تُؤدَّى بذات العمق الذي وُلدت به.
أما في العيطة الشعبية، فقد نجح بنسعيد في تثبيت اسمه كفنان يعرف كيف يحرّك الذاكرة الجماعية، دون الوقوع في فخ التكرار. حضوره فوق الركح ليس استعراضًا، بل طقس فني كامل، تتداخل فيه الكلمة مع الإيقاع، والصوت مع الحكاية، في تواصل مباشر مع جمهور يرى فيه صدىً لتجربته ووجدانه.
ما يميز بنسعيد أيضًا هو وعيه بدور الفنان الشعبي اليوم. فهو يدرك أن العيطة ليست مجرد غناء، بل خطاب اجتماعي وثقافي، يحمل تاريخ مناطق، وأصوات نساء ورجال، وفرحهم وألمهم. لذلك ظل حريصًا على اختيار نصوصه، وعلى العمل مع موسيقيين يحترمون هذا اللون ويؤمنون برسالته.
بنسعيد، بهذا المعنى، ليس نجمًا عابرًا، بل علامة فنية تُراكم التجربة وتُراهن على الاستمرارية. وفي زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتضيع فيه الحدود بين الفن والترفيه السريع، يظل صوته شاهدًا على أن العيطة، حين تجد من يُنصت إليها بصدق، قادرة على أن تعيش، وأن تُدهش، وأن تبقى.

















