في قراءة فاحصة للحوار الصحفي الاخير لمحمد نبيل بنعبد الله مع “بيان اليوم” يتضح أن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية اختار أن يلعب ورقة “جيل زد” كرهان استراتيجي لقلب الموازين السياسية، محاولاً تصوير حزبه كحاضنة طبيعية لهذا الزخم الاحتجاجي الشبابي.
غير أن هذا “الغزل” السياسي، الذي يمزج بين استحضار نبض الشارع والحديث عن معاناة المعتقلين والضغوط التي تعرضت لها شبيبة الحزب، لا يمكن عزله عن سياق أوسع يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدية هذا التبني. فالمتأمل في المسار الحالي يجد أن بنعبد الله يحاول، بكثير من البراغماتية، “الركوب على الموجة” غضب الشباب تماماً كما حاول سابقاً استثمار ملفات اجتماعية أخرى، مثل قضية الساعة الإضافية، لغرض وحيد هو إحراج الخصوم السياسيين وتحويل التذمر الشعبي إلى خزان انتخابي جاهز.
إن هذه المحاولة لـ “تسييس” احتجاجات ” جيل زيد” ، تبدو وكأنها استراتيجية للهروب إلى الأمام؛ فالشباب اليوم لا يبحثون عن أحزاب “تتضامن” معهم في الوقفات الاحتجاجية أو تكتفي برفع شعارات “الرحيل” في وجه الحكومة، بل ينشدون مشاريع تنموية حقيقية وبرامج سياسية واقعية تلامس عمق أزماتهم في التعليم والشغل والكرامة.
والاكيد ان بنعبدالله يعلم جيدا ان الركوب على الموجة، مهما كان متقناً، يظل تكتيكاً لحظياً يفتقر إلى العمق، إذ إن الانتخابات الحقيقية والرهان الديمقراطي الرزين يقتضيان تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية ملموسة، وليس فقط استغلال “وهم التشبيب” أو دغدغة مشاعر الفئات المحبطة.
إن بناء الثقة مع “جيل زد” يتطلب قطيعة مع ممارسات “الصيد في المياه العكرة” السياسية، فالتغيير الذي يطالب به هؤلاء الشباب لن يتحقق بمجرد تغيير الوجوه أو استبدال أغلبية بمعارضة عبر استغلال سخط الشارع، بل بتقديم عرض سياسي يتجاوز لغة الشعارات نحو لغة الأرقام والبرامج التنموية القابلة للتطبيق.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقاً: هل يقتنع شباب اليوم بخطاب “الركوب على الأمواج”، أم أنهم ينتظرون من الأحزاب أن تنزل من أبراجها العاجية لتصيغ معهم مستقبلاً يُبنى على الوضوح البرامجي لا على الانتهازية الانتخابية؟


















