أعادت المحكمة التجارية بالدار البيضاء فتح النقاش حول واقع خدمات النقل السككي بالمغرب، بعدما أصدرت حكماً يقضي بتعويض محامٍ متمرن تعرض لضرر مهني بسبب تأخر قطار عن موعده، في قرار اعتبره متابعون رسالة قضائية واضحة بشأن مسؤولية المرافق العمومية عن اختلالاتها المتكررة.
القضية انطلقت بعدما كُلّف المحامي الشاب من طرف مكتبه بالدار البيضاء بحضور خبرة قضائية بمدينة تمارة، غير أن الرحلة التي كان يُفترض أن توصله في الوقت المحدد تحولت إلى عائق مهني، بعد تأخر القطار لأزيد من ساعة ونصف، ما تسبب في ضياع موعد الخبرة وفشل المهمة التي انتقل من أجلها.
المثير في الملف أن المعني بالأمر تعامل مع الواقعة بمنطق قانوني دقيق، إذ سارع فور وصوله إلى استخراج شهادة رسمية تثبت مدة التأخر، قبل أن يقرر اللجوء إلى القضاء لمواجهة المكتب الوطني للسكك الحديدية، في خطوة تعكس حجم الضرر الذي قد تخلفه اختلالات تبدو “عادية” في نظر الإدارة، لكنها مكلفة بالنسبة للمرتفقين.
المحكمة، ومن خلال حيثيات حكمها، لم تساير دفوع المكتب الرامية إلى التهرب من المسؤولية، بل اعتبرت أن نقل المسافر في الوقت المحدد يدخل ضمن الالتزام بنتيجة، أي أن المؤسسة مطالبة بتحقيق النتيجة المتفق عليها، وليس فقط توفير الوسيلة. وهو تعليل يحمل في طياته انتقاداً ضمنياً لواقع التدبير داخل قطاع يفترض أن الزمن فيه عنصر أساسي وليس تفصيلاً ثانوياً.
الحكم القضائي لم يتوقف عند الجانب القانوني فقط، بل كشف بشكل غير مباشر حجم الهوة بين الخطاب الرسمي حول “تحديث النقل السككي” وبين التجربة اليومية للمواطنين، حيث بات التأخر المتكرر، وضعف التواصل مع المسافرين، وغياب حلول فورية في حالات الارتباك، جزءاً من صورة تتكرر بشكل يثير الاستياء.
ورغم ما يُضخ من استثمارات ومشاريع كبرى في القطاع، إلا أن عدداً من المرتفقين يعتبرون أن الأولوية لا يجب أن تبقى محصورة في الواجهة والصور الترويجية، بل في ضمان خدمة منتظمة تحترم وقت المواطنين والتزاماتهم المهنية والدراسية والإدارية.
ويبدو أن أهمية هذا الحكم لا تكمن فقط في قيمة التعويض، بل في كونه يفتح الباب أمام مساءلة أوسع حول طريقة تدبير المرفق العمومي، ويؤكد أن تأخر القطارات لم يعد مجرد “حادث عرضي” يمكن تجاوزه بالاعتذار، بل قد يتحول إلى مسؤولية قانونية كاملة حين يترتب عنه ضرر واضح للمرتفقين.

















