السقوط المدوي لحسن الفذ

5 مايو 2026
السقوط المدوي لحسن الفذ
بقلم : عثمان باقة

الغوغاء هم روما..
ليس أسوأ من أن يتحول الفنان إلى واعظ أخلاقي، ولا أخطر من أن يتقمص دور الأستاذ وهو لم يغادر بعد موقع التمثيل. ان ما صدر عن حسن الفذ في المعرض الدولي للكتاب ليس مجرد زلة لسان بل تعبير مكثف عن وعي نخبوي متعال يخطئ موضوعه قبل أن يخطئ لغته.
فحين حاول كبور ،الشخصية التي صنعت نجوميته، أن يلقن الجمهور دروس الجنتلمانية، سقط في مفارقة سوسيولوجية صارخة، فالشخصية التي تتغذى فنيا على تمثل البساطة الشعبية تحاول في الآن نفسه تأديب هذه الفئة الشعبية نفسها باسم اللياقة. هنا نكون أمام ما يسميه علم الاجتماع السياسي بالانفصال بين الحقل الرمزي والقاعدة الاجتماعية أي حين تنفصل النخبة المنتجة للخطاب عن الشروط المادية التي أنتجتها أصلا.
في هذا السياق يصبح استدعاء ابن خلدون ضروريا، لا من باب التزيين الفكري، بل كأداة نقدية. فالرجل لم يتحدث عن الغوغاء كشتيمة بل كمفهوم تحليلي داخل نظرية العمران البشري. الغوغاء عنده ليسوا انحرافا عن المجتمع، بل أحد مكوناته البنيوية: قوة كامنة قد تكون عامل توازن، أو عامل اضطراب، تبعا لشروط العدل والظلم، وهو حين قال إن الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها، لم يكن يبرر، بل كان يفسر ، يربط بين البنية الاجتماعية وشكل السلوك.
غير أن ما يغيب في خطاب التوبيخ الأخلاقي، هو البعد الحاسم الذي بلوره علم الاجتماع الحديث خاصة مع كارل ماركس: ان هذه الغوغاء ليست مجرد كتلة بشرية، بل هي الطبقة التي تنتج الثروة: إنهم العمال، الفالاحون، الكادحون والموظفون… وكل أولئك الذين يبيعون قوة عملهم يوميا ليعيدوا إنتاج المجتمع ماديا. من هنا لا يعود النقاش حول اللياقة نقاشا ثقافيا بريئا، بل يتحول إلى شكل من أشكال طمس العلاقة بين العمل والقيمة
إن مطالبة الفئات الشعبية بالتحلي بالإتيكيت البرجوازي في ظل شروط عمل هشة، وأجور محدودة، وغياب عدالة اجتماعية، وتضييق على الحقوق والحريات ما دمنا في سياق عيد العمال الاممي، هو في جوهره قلب للمعادلة بدل مساءلة البنيات التي تنتج الهشاشة يتم مساءلة ضحاياها وهذا ما يسميه بيير بورديو بالعنف الرمزي، حيث تفرض معايير الطبقة المهيمنة باعتبارها الذوق السليم، بينما تصنف ثقافة الكادحين كدليل نقص أو انحطاط.
من وجهة نظرنا كفاعل نقابي: المسألة أوضح وأكثر حدة، ان من يطلب منهم التحضر، هم أنفسهم من يشغلون المصانع ويبنون الطرق ويخدمون في الإدارات ويملؤون صناديق الضرائب إنهم ليسوا جمهورا سلبيا، بل قوة عمل تنتج القيمة، وتراكم الثروة التي تتغذى منها كل البنيات بما فيها الصناعة الثقافية التي ينتمي إليها الفنان نفسه. لذلك فإن أي خطاب يتجاهل هذه الحقيقة ويسقط في وعظ أخلاقي هو خطاب ينحاز موضوعيا إلى منطق الهيمنة، لا إلى منطق العدالة.
الأخطر أن هذا الخطاب يعيد إنتاج قطيعة بين الفنان/المفروض مثقف، وقاعدته الاجتماعية في لحظة تاريخية يفترض فيها أن يكون الانحياز واضحا إما إلى جانب من ينتجون الثروة ويعانون من اختلال توزيعها أو إلى جانب من يملكون امتياز تعريف الذوق واللياقة دون مساءلة شروط إنتاجهما.
وهنا تتقاطع حكمة القيصر ماركوس أوريليوس مع تحليل ابن خلدون رغم المسافة الزمنية بينهما. فلا وجود لمجتمع بدون بسطاءه وعوامه، ولا استقرار لعمران بدون عدالة في توزيع موارده. فالغوغاء ليسوا هامشا يمكن تهذيبه بخطاب أخلاقي بل هم مركز العملية الاجتماعية وقلبها الاقتصادي، بل هم المتن اصلا.
لذلك فإن القضية ليست في سلوك الجمهور بل في الشروط التي يدفع فيها هذا الجمهور إلى العيش على هامش الكرامة وحين تختزل هذه المعضلة في دعوة إلى الجنتلمانية فإننا لا نكون أمام نقد اجتماعي بل أمام تزييف للوعي.
في النهاية قد يكون من المفيد تذكير كبور- لا كممثل بل كفاعل رمزي- بحقيقة بسيطة: من يضحكهم اليوم هم أنفسهم من يصنعون شروط وجوده غدا، لأن القاعدة التي لا تتغير منذ ماركوس أوريليوس إلى ابن خلدون بل ومن كارل ماركس إلى كل أدبيات الحركة العمالية واضحة وحاسمة، وهي : الغوغاء عن روما كما قال القيصر ماركوس، بل ان
الغوغاء ليسوا فقط روما بل هم من يبنونها وينتجون ثروتها ويملكون حين يختارون القدرة على إعادة تشكيلها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.