في الوقت الذي رُفعت فيه شعارات “التمكين” و“الاقتصاد التضامني” بمدينة الفقيه بن صالح، خلال الدورة الخامسة للمعرض الجهوي، يطفو على السطح سؤال ثقيل: هل نحن أمام مشروع تنموي حقيقي… أم مجرد واجهة براقة لحملة انتخابية سابقة لأوانها؟
المشهد يبدو مألوفًا أكثر مما ينبغي. خيام أنيقة، منصات عرض، خطابات رسمية، صور تلتقط بعناية… لكن خلف هذه الصورة المصقولة، واقع مختلف يفرض نفسه. تعاونيات تشتكي من ضعف التسويق بعد انتهاء المعارض، شباب قروي يبحث عن فرصة حقيقية لا عن وعود موسمية، ونساء لا يجدن طريقًا ثابتًا نحو الاستقلال الاقتصادي رغم كل الشعارات المرفوعة.
اللافت في الأمر، هو الحضور المكثف والمتحرك لكاتب الدولة المكلف بالقطاع، السعدي، الذي يبدو أنه اختار “المعارض” كمنصة للتجوال السياسي أكثر من كونها آلية لتقييم السياسات العمومية. فمن أزيلال إلى خنيفرة، وصولًا إلى بني ملال وها هي اليوم الفقيه بن صالح، تتكرر نفس الصورة: افتتاحات رسمية، حضور إعلامي، وخطاب واحد يُعاد تدويره.
لكن، هل التنمية تُقاس بعدد المعارض؟ أم بمدى استمرارية الأثر بعد تفكيك الأروقة وإطفاء الأضواء؟
المؤشرات على الأرض لا تبدو مطمئنة. فعدد من التعاونيات لا تزال تعاني من غياب قنوات تسويق دائمة، وضعف في المواكبة التقنية، وصعوبات في الولوج إلى التمويل. أما العالم القروي، الذي يُرفع كشعار في كل دورة، فما يزال يرزح تحت نفس الإكراهات: هشاشة، بطالة مقنّعة، وبنيات تحتية محدودة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الزخم “المعرضي” المتنقل بدأ يُقرأ في أوساط المتتبعين كحملة انتخابية غير معلنة، تُستثمر فيها إمكانيات عمومية لتلميع صورة سياسية، بدل بناء سياسات عمومية ناجعة. فحين تتحول التنمية إلى مشهد استعراضي، تفقد معناها، وتتحول إلى أداة للتسويق لا أكثر.
لا أحد ينكر أهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة تنموية، لكن تحويله إلى مادة دعائية يفرغه من محتواه. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من المنصات المؤقتة، بل استراتيجيات دائمة، تواكب الفاعلين الحقيقيين على الأرض، وتضمن لهم الاستمرارية والكرامة الاقتصادية.
في النهاية، قد تنجح هذه المعارض في جذب الأنظار لعدة أيام، لكنها لن تُقنع مواطنًا يبحث عن دخل قار، ولا شابًا ينتظر فرصة حقيقية. لأن التنمية، ببساطة، لا تُقاس بعدد الافتتاحات… وإنما بعدد القصص التي تغيّرت فعلاً.

















