الإنقاذ البحري بالمغرب: دينامية إصلاحية لتعزيز الجاهزية وصون الأرواح في عرض البحر

منذ 3 ساعات
الإنقاذ البحري بالمغرب: دينامية إصلاحية لتعزيز الجاهزية وصون الأرواح في عرض البحر

تُشكّل منظومة الإنقاذ البحري بالمغرب أحد الأعمدة الاستراتيجية في سياسة السلامة البحرية، باعتبارها مجالاً تتقاطع فيه الالتزامات الإنسانية مع المقتضيات القانونية الدولية. وفي هذا الإطار، تضطلع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بدور المنسق الوطني لعمليات البحث والإنقاذ، في انسجام تام مع التزامات المملكة بموجب اتفاقيتي السلامة في البحار لسنة 1974 والبحث والإنقاذ البحري لسنة 1979، اللتين تؤطران مسؤوليات الدول الساحلية في حماية الأرواح البشرية في الفضاءات البحرية. وقد أفضى هذا التوجه إلى إرساء جهاز وطني متكامل، يمتد على مجال بحري شاسع يقارب مليون كيلومتر مربع، يتميز بحركية ملاحية كثيفة ومتنوعة.

وفي سياق هذه الدينامية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى منظومة إنقاذ عالية الجاهزية، قادرة على التدخل السريع والفعال في مختلف الظروف، خاصة في ظل تنامي المخاطر التي تحدق بالبحارة والمهنيين في عرض البحر. ومن هذا المنطلق، تتعامل الدولة مع الإنقاذ البحري كمرفق عمومي ذي بعد إنساني ودولي، يضمن تقديم خدماته بشكل مجاني، بما يعكس التزاماً راسخاً بحماية الحياة البشرية.

وتؤكد الحصيلة المسجلة خلال سنتي 2024 و2025 الأهمية المتزايدة لهذا الورش، حيث مكنت عمليات الإنقاذ، التي تم تنفيذها بتنسيق بين مختلف المتدخلين، من إنقاذ 19020 شخصاً، إلى جانب تقديم المساعدة لـ1721 آخرين، وهو ما يعكس نجاعة المنظومة وتزايد الطلب على خدماتها في ظل اتساع الأنشطة البحرية.

ويستند هذا النظام إلى مركز تنسيق عمليات الإنقاذ البحري (MRCC) ببوزنيقة، الذي يمثل القلب النابض للمنظومة، حيث تم إخضاعه لعملية تحديث شاملة شملت تجهيزاته التكنولوجية ووسائل الاتصال، بما يتماشى مع متطلبات النظام العالمي للسلامة البحرية، وهو ما يتيح التقاط إشارات الاستغاثة بدقة وسرعة، وتنسيق عمليات التدخل بكفاءة عالية. كما تم تعزيز موارده البشرية عبر استقطاب كفاءات متخصصة وإدماج عناصر من البحرية الملكية، إلى جانب اعتماد برامج تكوين متقدمة تستهدف رفع مستوى الجاهزية العملياتية.
وعلى مستوى الوسائل اللوجستيكية، تتوفر كتابة الدولة على أسطول يضم 21 وحدة إنقاذ، مدعوماً بإمكانات إضافية تابعة لمختلف الأجهزة المتدخلة، من بينها البحرية الملكية والدرك الملكي والقوات الملكية الجوية والوقاية المدنية، فضلاً عن مساهمة السفن التجارية ومراكب الصيد عند الضرورة.

وقد شمل برنامج التحديث صيانة شاملة للوحدات البحرية، إلى جانب اعتماد خطة تدريجية لتعويض الوحدات القديمة بأخرى أكثر تطوراً، حيث تم خلال سنة 2023 تعزيز الأسطول بوحدتين جديدتين بكل من طنجة والداخلة، مع برمجة اقتناء وحدات إضافية خلال سنتي 2026 و2027 لتوسيع التغطية لتشمل موانئ استراتيجية أخرى.

ويقوم تدبير هذا النظام على مقاربة مندمجة، ترتكز على التنسيق الجهوي عبر مصالح السلامة البحرية بمندوبيات الصيد البحري، حيث تضطلع اللجان المحلية للإنقاذ بمهام تدبير وتسيير الوحدات على مستوى دوائر نفوذها، وفق إطار تنظيمي يضمن الفعالية والنجاعة في التدخلات.

كما تعتمد كتابة الدولة مقاربة تشاركية قائمة على التنسيق المستمر مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين، مدعومة بتنظيم تمارين ميدانية دورية في عرض البحر، تروم اختبار الجاهزية العملياتية وتحسين مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين. وفي موازاة ذلك، يجري العمل على دعم القدرات الوطنية في مجال بناء وصيانة سفن الإنقاذ، من خلال استكشاف آليات نقل التكنولوجيا وتعزيز الكفاءات المحلية.

ولا يقتصر هذا الورش على تطوير قدرات التدخل فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الوقائي، باعتباره ركيزة أساسية في تقليص المخاطر البحرية، حيث يتم تعزيز منظومة المراقبة والسلامة، وتنظيم حملات تحسيسية لفائدة البحارة، إلى جانب تعميم استخدام أجهزة الاستغاثة عبر الأقمار الاصطناعية، خاصة في قطاع الصيد التقليدي، وإقرار إجبارية ارتداء صدريات النجاة، مع إخضاع معدات السلامة لمراقبة صارمة.

وتعكس هذه الدينامية الإصلاحية توجهاً واضحاً نحو إرساء منظومة إنقاذ بحري عصرية، فعالة ومستدامة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع البحري، والاستجابة لمتطلبات السلامة وفق المعايير الدولية، بما يعزز مكانة المغرب كفاعل مسؤول وملتزم في مجال حماية الأرواح البشرية في البحار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.