أعلن وزير الفلاحة أحمد البواري أن المغرب حقق موسماً قياسياً للحبوب، بانتاج يناهز 90 مليون قنطار، من بينها 44 مليون قنطار من القمح الطري. لكن الأرقام التي تكشفها عملية التجميع تضع هذا الإعلان أمام اختبار صعب، بعدما لم تتمكن المطاحن من جمع سوى نحو 6 ملايين قنطار من القمح المحلي.
الفارق ليس تفصيلاً محاسبياً عابراً. فحين تتحدث الوزارة عن 44 مليون قنطار من القمح الطري، ثم لا يصل إلى منظومة التجميع سوى 6 ملايين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين ذهبت الكميات المتبقية؟
الحكومة كانت قد راهنت على تجميع ما بين 15 و20 مليون قنطار من القمح الطري الوطني، قبل أن تكشف الحصيلة الفعلية أن التجميع لم يبلغ حتى نصف الحد الأدنى لهذا الهدف. وبعبارة أبسط، فإن الرقم الذي كان يفترض أن يترجم وفرة استثنائية في الإنتاج لم يتحول إلى وفرة مماثلة في السوق.
والأكثر إثارة أن الحكومة، بدل أن تستفيد من محصول قالت إنه تضاعف مقارنة بالموسم السابق، عادت إلى فتح الباب أمام استيراد القمح اللين خلال الفترة الممتدة من 16 شتنبر إلى 31 دجنبر 2026، مع تخصيص منحة للمستوردين قد تصل إلى نحو 15 درهماً للقنطار.
هنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاهلها: إذا كان المغرب قد أنتج فعلاً 44 مليون قنطار من القمح الطري، فلماذا تحتاج المطاحن إلى استيراد القمح من الخارج؟ ولماذا تتحمل الدولة كلفة إضافية لدعم هذا الاستيراد؟
المسألة لا تتعلق فقط بقرار الاستيراد، بل بمصداقية الأرقام التي قدمتها وزارة الفلاحة للرأي العام. فالإنتاج الفلاحي ليس رقماً يعلن في ندوة صحفية وينتهي النقاش بشأنه؛ بل يفترض أن تكون له انعكاسات واضحة على السوق، وعلى المخزونات، وعلى عمليات التسويق والتجميع وتموين المطاحن.
وإذا كان رقم 44 مليون قنطار يمثل بالفعل الكمية المنتجة من القمح الطري، فإن الفارق بين هذا الرقم وبين الكميات التي جرى تجميعها يحتاج إلى تفسير رسمي دقيق، بالأرقام والمواقع ومصير الكميات، وليس إلى الاكتفاء بتكرار مؤشرات الإنتاج الإجمالية.
الأمر يزداد حساسية عندما نضع هذه المعطيات أمام مذكرة المكتب الوطني للحبوب والقطاني التي أقرت آلية جديدة لتعويض المستوردين. فالدولة تستعد لدعم استيراد القمح، في الوقت الذي يفترض فيه أن الموسم الوطني الاستثنائي قد وفر كميات مهمة من المادة نفسها.
بل إن نتائج طلب العروض المتعلق بالحصص التفضيلية للقمح اللين الأمريكي أظهرت عدم تقديم أي عرض، في سياق يواصل فيه المكتب اتخاذ إجراءات لضمان تموين السوق المغربية.
وبذلك يجد المغاربة أنفسهم أمام معادلة غريبة: محصول قياسي في بيانات وزارة الفلاحة، وتجميع ضعيف في الواقع، واستيراد مدعوم من المال العام لتأمين تموين المطاحن.
هذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن رقم الإنتاج المعلن غير صحيح، لكنها تجعل الحكومة مطالبة بتقديم جواب واضح عن الفجوة بين الإنتاج المعلن والتجميع الفعلي.













