بالقلم الأحمر .. سطات : حين تُوزع المواقع، المقاعد قبل أن يتكلم الصندوق

24 أغسطس 2026
بالقلم الأحمر .. سطات : حين تُوزع المواقع، المقاعد قبل أن يتكلم الصندوق
فتح الله حافظي

لا أستغرب قدر استغرابي من بعض المواقع الإلكترونية والحسابات الفايسبوكية التي تناسلت في سطات كالفطر، حتى بات يصعب التمييز بين من يمارس الإعلام ومن يمارس الدعاية السياسية. بعضها يتحدث بلسان رئيسة المجلس الجماعي، تبحث عن الأعذار قبل أن تبحث عن الأسئلة، وتلمّع الصورة قبل أن تنظر إلى ما وراءها، وكأن مهمتها لم تعد أن تنقل ما يحدث في المدينة، بل أن تصوغ رواية جاهزة عنه، ثم تطلب من المواطن أن يصدقها.

والبعض الآخر اختار أن يسبق الانتخابات نفسها، فيشرع منذ الآن في النفخ في أسماء مرشحين محتملين، وتقديمهم في صورة القادمين إلى القبة، وكأن صناديق الاقتراع مجرد تفصيل تقني في مسرحية كُتبت نهايتها سلفاً. يكثر التطبيل، تتكرر الصور، تتضخم الأخبار الصغيرة، وتُصنع من بعض التحركات العادية بطولات انتخابية، حتى يخيل للمتابع أن الناخب السطاتي قد فوّض أمر اختياره إلى صفحات فايسبوكية لا إلى إرادته وصوته.

المفارقة أن الانتخابات لم تبدأ بعد، لكن بعضهم بدأ توزيع نتائجها. لم يُدلِ المواطن بصوته، ومع ذلك هناك من نصب نفسه وصياً على اختياراته، ومنح هذا المرشح صك النجاح، وذاك شهادة الأهلية، وكأن الديمقراطية أصبحت تُمارس على شاشة الهاتف، وأن صندوق الاقتراع لم يعد سوى شاهد متأخر على ما قررته الحسابات مسبقاً.

والمشكلة ليست في أن يساند صاحب صفحة مرشحاً أو مسؤولاً، فذلك شأنه وموقفه، ما دام واضحاً ومعلناً. المشكلة تبدأ حين يتخفى الانحياز في ثوب الخبر، وحين تتحول الدعاية إلى «تغطية»، والمديح إلى «إعلام»، والترويج إلى «معلومة»، وحين يصبح القارئ غير قادر على التمييز بين من ينقل له الواقع ومن يريد أن يصنع له واقعاً على المقاس.

أما أخطر ما في هذه الظاهرة فهو أنها لا تسيء فقط إلى المتلقي، بل تسيء أيضاً إلى من يجري التطبيل لهم. فالمرشح الذي يحتاج إلى ماكينة إلكترونية تنفخ في صورته صباح مساء، وتبحث له عن مناسبة لتقديمه باعتباره رجل المرحلة، قد يجد نفسه محاطاً بضجيج كبير، لكنه يظل في حاجة إلى جواب بسيط: ماذا سيقدم للمدينة؟ ماذا فعل حين كان في موقع المسؤولية؟ وما الذي يميزه عن عشرات الذين سبقوه إلى الوعود ثم تركوا المواطن وحيداً أمام الخيبة؟

سطات لا تحتاج إلى من يبيعها الصور، ولا إلى من يوزع عليها شهادات النجاح قبل الامتحان. تحتاج إلى من يفتح الملفات التي لا يرغب البعض في فتحها، ويسأل عن المشاريع المتعثرة، وعن الأولويات الضائعة، وعن المال العام، وعن جودة الخدمات، وعن الشوارع التي أنهكها الحفر، وعن المدينة التي لا يجوز اختزال مستقبلها في صور المسؤولين والمرشحين.

فالصحافة، أو ما يفترض أن يكون إعلاماً محلياً، لا تُقاس بعدد المنشورات ولا بعدد مرات ظهور المسؤول أو المرشح في الصفحة، وإنما بقدرتها على إزعاج السلطة حين تخطئ، وإحراج المنتخب حين يقصر، ومنح المواطن حقه في المعرفة بدل إغراقه في المديح.

ولذلك فإن بعض هذه الصفحات لا تخيفني بقدر ما تثير لديّ سؤالاً أكبر: من يمول هذا الحماس؟ ومن يحدد أجندته؟ ولماذا يظهر بعض المرشحين فجأة بكثافة إعلامية لا تتناسب إطلاقاً مع حضورهم السياسي أو حصيلتهم على الأرض؟ ولماذا تختفي الأسئلة النقدية حين يتعلق الأمر بأسماء بعينها، بينما تتحول صفحات أخرى إلى منصات هجومية كلما تعلق الأمر بخصم سياسي؟

ليست المشكلة إذن في فايسبوك، ولا في المواقع الإلكترونية، وإنما في تحويل هذه الوسائط إلى سوق انتخابية مفتوحة، تُباع فيها الصور، وتُشترى فيها المساحات، وتُصنع فيها الهالات، ويُراد للمواطن أن يعتاد اسم المرشح قبل أن يسأل عن برنامجه، وأن يألف صورته قبل أن يعرف حصيلته.

لكنهم ينسون شيئاً بسيطاً: المواطن ليس متفرجاً في هذا المسرح، والصندوق ليس صفحة فايسبوكية، والإعجاب ليس صوتاً انتخابياً، وعدد المشاركات لا يساوي عدد الأصوات.

قد تستطيع بعض الحسابات أن تصنع ضجيجاً، وأن ترفع اسماً، وأن تمنح مرشحاً وهماً مبكراً بالانتصار، لكنها لا تستطيع أن تصادر إرادة الناخب حين يقف وحيداً أمام ورقة الاقتراع.

لهذا، فليرفعوا منسوب التطبيل كما يشاؤون، وليمنحوا المقاعد لمن يشاؤون قبل أوانها، وليكتبوا النتائج على صفحاتهم كما يحلو لهم. سيظل هناك موعد واحد لا يستطيعون اختصاره ولا تزويره بالكلمات: موعد يتكلم فيه الصندوق، ويصمت الجميع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.