كلاش بريس / ع عياش
تطرح كل عملية تشكيل حكومي جديد أو تعديل وزاري بالمغرب سؤالاً جوهرياً يتعدى حدود الأسماء والترضيات السياسية، ليصل إلى عمق الحكامة الترابية والقطاعية، والمتعلق بكيفية تسليم الوزير المترجل تركتَه للوزير القادم، والحدود الفاصلة بين استمرارية المرفق العام وتحمل التبعات القانونية للقرارات السابقة.
ففي ممارسات التدبير السياسي التقليدية، طالما ساد منطق يصفه المتتبعون بـ “الله يبارك فيمن صبح”، حيث يستلم المسؤول الجديد مقاليد القطاع دون تمحيص دقيق لما سلف، لتظهر لاحقاً اختلالات أو ثقوب مالية في ملفات معقدة ذات تداعيات متأخرة على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يفرض اليوم ضرورة إقرار المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة عبر آليات التفتيش والتدقيق الاستباقي فور تقلد المهام.
وتكمن أهمية هذا الطرح في كون القرارات الإدارية والصفقات الكبرى في القطاعات الحكومية تتسم غالباً بالتعقيد، إذ إن الآثار المالية أو القانونية لشروط طلبات العروض، أو القروض، أو المشاريع المتعثرة، لا تظهر فوراً لحظة مغادرة الوزير لكرسيه، بل قد تمتد تداعياتها لسنوات لتنفجر في وجه المسؤول الجديد.
ومن هنا، فإن ممارسة التدقيق المالي والإداري عبر مفتشيات الوزارات أو خبراء مستقلين فور استلام المهام تحقق غايتين رئيسيتين، تتمثل الأولى في حماية المسؤول الجديد وتجنيبه تحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن قرارات لم يشارك في إقرارها، وتكمن الثانية في تحصين المال العام ورصد أي اختلالات مفترضة في بدايتها وقبل تفاقم آثارها.
ولا يكتمل مغزى الشفافية والمساءلة إلا إذا اتخذت النتائج مسارها المؤسساتي السليم والمحدد قانوناً، لأن الهدف من عملية التدقيق ليس تصفية الحسابات السياسية، بل حماية المرفق العام عبر إخضاع الصفقات المفتوحة والتركة المالية لتقرير افتخاص شامل يحدد سلامة الإجراءات، مع رفع التقارير التي تنطوي على شبهة اختلالات إلى المجلس الأعلى للحسابات، وإحالة الملفات التي تتضمن قرائن على هدر المال العام أو الشطط على النيابة العامة لتقرر ما تراه مناسباً طبقاً للقانون.
ويتطلب هذا التحول المؤسساتي الانتقال نحو ثقافة التوقيع الصريح على سلامة الذمة الإدارية، إذ يرى خبراء القانون الإداري أن إصلاح المنظومة يقتضي أن يتضمن بروتوكول تسليم السلط بين الوزراء المتعاقبين ملحقاً تقنياً يفصل الوضعية المالية والإدارية للقطاع، يعتمد على تقارير تفتيش محينة وموثوقة. إ
ان الانتقال من منطق العفو الإداري الضمني إلى منطق التدقيق المنظم ليس تشكيكاً بغير دليل، بل هو حجر الزاوية لتكريس دولة المؤسسات، إذ لا يستقيم أن تقتصر أجهزة التفتيش على التحرك بعد وقوع الاختلالات وإثارتها إعلامياً، بل يجب أن تحضر كأداة وقائية ومبدأ إلزامي يسري على الجميع دون استثناء.
ومما لاشك فيه أن بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته يمر حتماً عبر تجسيد فعلي لمبدأ المحاسبة، والوزير الذي يدخل القطاع بنية التغيير والقطع مع الاختلالات، عليه أن يبدأ بفتح الأظرفة والملفات السابقة، ليكون استلامه للمسؤولية مبنياً على الشفافية المطلقة، وحفظ المال العام، وعلنية المساطر.












