بنكيران، انتهى الكلام لِيبدأَ آخر!

16 سبتمبر 2026
بنكيران، انتهى الكلام لِيبدأَ آخر!

عبد الله المساوي

عندما يعود مغاربة اليوم إلى تقليب بعض صفحات التاريخ، لا شك أنهم سيعثرون على تسجيل لعبد الإله بنكيران في بداية دخوله البرلمان وهو يسأل فتح الله ولعلو، وزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبد الرحمان اليوسفي ، عن المعاشات «الاستثنائية»، ويشرح أنها غير معقولة في ظل وجود مواطنين يعانون الفقر، وأن هؤلاء هم الأولى بتلك الأموال من الوزراء!
والأكثر سخرية من ابن كيران وسط المواطنين أو الأكثر غضبا منه يتساءلون كيف يمكن لابن كيران، الذي أجبر الموظفين على مراجعة نظامهم للتقاعد، أن يحصل على تقاعد بقيمة سبعة ملايين سنتيم دون أن يساهم فيه ولو بدرهم واحد !؟
والظاهر أن حزب العدالة والتنمية استشعر حجم الحرج، الذي وضعه فيه أمينه العام، ولذلك لم يتبنَّ روايته بشأن حصوله على تقاعد استثنائي أمر له به الملك محمد السادس، ولم ينشرها في موقعه الإلكتروني الرسمي.
كان بإمكان بنكيران ألا يثير كل هذا الجدل من حوله، والذي تحول إلى انتحار رمزي لشخصه، لو أنه سلك المسطرة العادية للحصول على معاشات الوزراء، وهي المسطرة التي ينظمها القانون ويحدد شروط الاستفادة ومقدارها.
لكن ابن كيران أخبر الجميع أنه رفض التوقيع على وثائق وزارة الاقتصاد والمالية، وأنه لم يقبل بالمعاش إلا بعد أن أمر له به جلالة الملك.. وبسبب ذلك فتح بابا آخر للسخرية والتهكم ،وقال منتقدوه مرة أخرى إنه رفض مسطرة المعاش الحكومي، لأنها لن تدر عليه سوى أربعة ملايين سنتيم، في حين أن مسطرة المعاش الملكي تضمن له سبعة ملايين سنتيم.
لكن ابن كيران ليس رجل الماديات كي يحسب معاشه بهذا الشكل، هو رجل رمزيات سياسية، ومن قلب الفقر والمعاش الاستثنائي يريد أيضا أن يخرج برمزيات جديدة.
وفي هذه النازلة طرح السؤال التالي: لماذا رفض بنكيران معاش وزارة الاقتصاد والمالية وقبل المعاش الاستثنائي الذي أمر به جلالة الملك؟
الجواب لا يوجد في السياسة العصرية، بل في أدبيات السلاطين القدامى، كما يتصورها ويريد أن يعيشها ابن كيران، الرجل لا يريد تعويضا من الدولة الحديثة، بل من الدولة التقليدية، وهو يعتبر نفسه قدم خدمات للملكية خلال « الخريف العربي «، وليس لغيرها، وعليها أن تدفع الثمن النقدي لذلك.
وابن كيران يريد، أيضا، أن يناقش معاشه الاستثنائي بمنطق المخزن الكلاسيكي وليس بمنطق الدولة العصرية، هو يؤمن بما يسميه الدكتور عبد اللطيف أكنوش « نظام المكافآت الممول لشرعية النظام المغربي»،والذي يحصل عليه خدام « دار المخزن « بعد مغادرتهم « للعمل السياسي الإجرائي «، ولا يؤمن بنظام التعويض عن المهام الذي تعتمده بروتوكولات وقوانين الدولة الحديثة.
ووفق هذا المنطق المخزني العتيق، وبروتوكولات الآداب المخزنية، أقحم ابن كيران جلالة الملك في تناقضاته الشخصية، وجعل المبادرة الملكية، وهي التفاتة إنسانية، ورقة حمراء يشهرها في وجه منتقديه، وحصنا منيعا يختفي وراءه كي لا يتحمل مسؤولية اختياراته.
ولذلك تساءل كثيرون باستغراب: كيف يمكن لكل هذه الثروة التي كان يجنيها حزب «البيجيدي» من السياسة والانتخابات أن تنتج لنا « زعيما « ورئيس حكومة سابق يكاد يصل إلى تلك المرحلة التي لا يجد فيها ما يسد به رمقه؟».
وهنا نذكر سابقة في التاريخ المغربي: لأول مرة يخرج رئيس حكومة سابق ليبلغ عموم الناس أنه طلب من «أهل بيته» مهلة ثلاثة أشهر لتسوية أحواله المالية، وأنه شرع في البحث عن عمل يسد به رمقه … فبالنسبة لمنتقديه، ما أقدم عليه رئيس الحكومة السابق من تباكي أمام عموم الناس لا يليق برجل كان مسؤولا كبيرا في الدولة،وآخرون لم يصدقوا كيف للفقر أن يطرق أبواب سياسي كبير ظل برلمانيا لمدة تقارب النصف قرن، وقضى خمس سنوات رئيسا للحكومة، ولديه استثمارات سابقة في التعليم الخاص والتجارة؟؟
وفي الواقع لم تكن الحكاية حكاية فقر، كانت محاولة أخرى للمتاجرة بالفقر من أجل رسم صورة معينة في أذهان المغاربة البسطاء على بعد مسافة قليلة من انطلاق السباق الانتخابي الأكثر ضراوة.
مرة أخرى، مرات ومرات، لازمة لن نمل من تكرارها: انهيار أسطورة الطهرانية الأخلاقية لـ»كبير البيجيدي» عبد الإله بنكيران. المتاجرة بالدين مربحة، المتاجرة بالفقر مربحة، فالمتاجرة باللغة العربية والمتاجرة بالوطن. ومن حسن الحظ كانت استحقاقات 2021، وكان موعد الحساب، وكان التصويت العقابي. وإذا كان الإسلاميون يؤمنون بالديمقراطية للمرة الواحدة، فالمغاربة ينخدعون مرة واحدة!
انتهى كلام ليبدأ كلام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.