كلاش بريس / الرباط
تكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن أحداث سبتة عن مفارقة لافتة عند مقارنتها بموقف سلفه جاك شيراك خلال الأزمة المغربية الإسبانية سنة 2002، إذ تبدو باريس اليوم أقرب إلى تبني الرواية الإسبانية بشأن المدينة المحتلة، في وقت كانت فيه رئاسة شيراك قد اتخذت، وفق شهادات إسبانية لاحقة، موقفاً أكثر تفهماً للموقف المغربي.
وخلال زيارته الرسمية إلى إسبانيا، تحدث ماكرون عن أحداث سبتة المحتلة التي وقعت في نهاية يوليوز الماضي، معتبراً أن إسبانيا وأوروبا تعرضتا لما وصفه بـ”هجوم”، في إشارة إلى الاقتحام الجماعي للمدينة، كما شدد على ضرورة التضامن الأوروبي مع إسبانيا، متحدثاً في الوقت نفسه عن وفاة أكثر من 140 شخصاً خلال تلك الأحداث.
ولم يكتف الرئيس الفرنسي بالحديث عن البعد الإنساني للأحداث، بل استخدم لغة سياسية واضحة عندما قال إن إسبانيا كانت “ضحية لهجوم”، مشيراً إلى أن عمليات العبور الجماعي لم تكن منظمة من طرف الحكومة الإسبانية، ومؤكداً دعم فرنسا للتعاون الأوروبي مع مدريد في التعامل مع تداعيات الواقعة.
هذا الموقف يعيد إلى الواجهة مواقف الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، حين كانت العلاقات بين الرباط ومدريد تمر بأحد أكثر فصولها توتراً.
وبحسب ما أورده رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار، في تصريحات نقلها الصحفي إغناسيو ثمبريرو، فإن شيراك اقترح عليه خلال تلك الأزمة إعادة عدد من الجزر والصخور الواقعة على الساحل المغربي إلى المغرب، بل وطرح، وفق الرواية نفسها، مسألة سبتة ومليلية.
وقد نقلت وسائل إعلام فرنسية وإسبانية هذه الرواية على أساس شهادة أثنار، بينما نفى مقربون من شيراك أن يكون الرئيس الفرنسي قد شجع المغرب على أزمة جزيرة ليلى.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن فرنسا، خلال أزمة جزيرة ليلى، لم تنخرط في الموقف الإسباني بالطريقة التي كانت مدريد تنتظرها، وهو ما اعتبره الجانب الإسباني آنذاك مؤشراً على قرب الموقف الفرنسي من الرباط.
وبين شيراك وماكرون، تبدو المفارقة واضحة: ففي الوقت الذي ارتبط فيه اسم شيراك، وفق الرواية الإسبانية، بموقف أكثر قرباً من المطالب المغربية في قضية سبتة ومليلية، يتحدث ماكرون اليوم بلغة مختلفة، واضعاً أحداث سبتة في إطار أوروبي، ومؤكداً التضامن مع إسبانيا باعتبارها دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي.
ولا يتعلق الأمر فقط بتغير في لغة الخطاب، بل يعكس أيضاً تحولات أوسع في طبيعة العلاقة بين فرنسا والمغرب وإسبانيا، وفي موقع قضية سبتة ومليلية داخل التصور الأوروبي لقضايا الحدود والهجرة.
وبينما كان شيراك يتعامل مع أزمة جزيرة ليلى من زاوية التوازنات المغربية الإسبانية وحسابات باريس في شمال إفريقيا، يبدو خطاب ماكرون أكثر ارتباطاً بالإطار الأوروبي، خصوصاً عندما يربط ما وقع في سبتة بأمن الحدود الأوروبية والتضامن بين دول الاتحاد.
وتبقى المقارنة بين الرجلين ذات دلالة سياسية، خصوصاً أن شيراك كان يُنظر إليه في المغرب باعتباره أحد أكثر الرؤساء الفرنسيين قرباً من الرباط، بينما يضع تصريح ماكرون الأخير قضية سبتة في سياق مختلف تماماً، حيث أصبحت الحدود الإسبانية جزءاً من الخطاب الأوروبي حول حماية الحدود والهجرة.
وهكذا، فإن الانتقال من شيراك إلى ماكرون لا يقدم فقط مفارقة بين رئيسين فرنسيين، بل يعكس أيضاً تغيراً في الطريقة التي تنظر بها باريس إلى التوازنات المغربية الإسبانية وإلى موقع سبتة ومليلية في المعادلة الأوروبية











