المغرب الذي نريده…

منذ 3 ساعات
المغرب الذي نريده…

عمر عبادي

هناك مفارقة مقلقة في المغرب: تطلع متزايد للديمقراطية، وأنصارها كثر، وقاعدتها الاجتماعية واسعة، ومع ذلك تستمر أسسها في التآكل يوما بعد يوم.

المواطنون الذين يطالبون بمزيد من الديمقراطية هم أنفسهم من يساهمون في جعل هذه الديمقراطية تمشي برجل واحدة: يطالبون ويُلحّون، دون أن يشاركوا فعليا أو يبذلوا الجهود اللازمة لضمان بيئة ثقافية ونفسية مواتية لتطور الديمقراطية.

وتصبح هذه المفارقة أكثر خطورة عندما تكشف إحصائيات صادمة عن أرقام محبطة بشأن الانخراط في الأحزاب السياسية : 70% من الشباب لا يؤمنون بجدوى العمل السياسي، 5% فقط يؤمنون به، و2% فقط يشاركون في العمل السياسي داخل الأحزاب، في حين أن الشباب يشكلون 30% من سكان المغرب : إحدى ركائز الديمقراطية تفقد أسسها.

أما فيما يتعلق بالمشاركة، فالوضع غير مشجع: أغلبية المواطنين في سن التصويت غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، وآلاف ممن يصوتون يضعون أوراقا ملغاة في صناديق الاقتراع. وهذا يقودنا إلى استنتاج بديهي : تراجع حاد في نسبة المشاركة.

وعلى صعيد آخر، يستمر النزيف في أحد أهم ركائز الممارسة الديمقراطية : الصحافة المكتوبة تنهار، ومبيعات الصحف تتراجع بشكل كبير سنة بعد سنة.

البرامج الحوارية الثقافية والسياسية في التلفزيون لا تحقق نسب مشاهدة معقولة مقارنة ببرامج الترفيه والتسلية. وبدلا من ذلك، يتجه الناس إلى منصات غير رسمية لتشكيل الرأي العام. وهكذا أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سوقا لتكوين المواقف والقناعات السياسية.

من الواضح أن السياسة، كما تُمارس في المغرب، أصبحت عبئا على الديمقراطية بدلا من أن تكون قوة دافعة لنشاطها. في الدول الغربية أيضا يبدو أن الانتخابات لا تحقق نتائج حقيقية، بل أنها تساهم في تعميق الشقوق السياسية والاجتماعية القائمة. أزمة الديمقراطية هي إلى حد كبير أزمة تمثيلية، أو بتعبير أدق، غياب التمثيلية.

في المغرب، نحن قريبون من هذه الصورة، إلا أن هناك فرقا جوهريا. في أوربا، تمر الديمقراطية بلحظة عصيبة، لكن الثقافة الديمقراطية متأصلة وراسخة. أما في حالتنا، فالخطر مزدوج: الديمقراطية مهددة بهشاشة قواعدها الاجتماعية، وبالفراغ في الثقافة الديمقراطية الذي يسمح باستغلالها من قبل إيديولوجيات غير ديمقراطية.

إلى أين نحن ذاهبون بديمقراطية تعتمد على آليات هشة ؟ جزء من الإجابة واضح؛ يكمن في تجاوزات المطالب الاجتماعية الجديدة في أكثر من مدينة مغربية، ويتجلى هذا بشكل أوضح كذلك في أشكال جديدة من الصحافة. من الواضح أنه كلما تم تقويض الآليات الديمقراطية لصالح التعبير العشوائي عن الرأي، كلما تورطت الدولة والمجتمع في مواجهات أمنية، وتشويه للحقوق، وفي دائرة مفرغة من التصعيد المرهق للطرفين.

هل يستدعي هذا الوضع إعلان حالة الطوارئ والتعبئة السياسية ؟ قطعا. تنص القاعدة الكلاسيكية على أنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وفي واقعنا الحالي، يمكن إضافة تعديل بسيط: لن تكون هناك لا ديمقراطية ولا ديمقراطيون بدون قاعدة اجتماعية واسعة ترعى المشروع الديمقراطي؛ وإلا فإن الخطاب السياسي الرسمي والحزبي حول الديمقراطية ومزاياها المزعومة سيكون بمثابة بناء قلاع من رمل.

يبدو أن الوضع السياسي الذي نعيشه والمواعيد الكبرى المنتظرة تفرض علينا بالفعل تحديات وظروفا خاصة للغاية. في الحقيقة، يجب علينا، أكثر من أي وقت مضى، تعديل حساباتنا السياسية لتتوافق مع واقع عصرنا. يجب أن ننتبه لمخاطر تجاهل الفجوة القائمة بين نبض الشارع وتفاعلاته، وبين حياة المؤسسات وديناميكيتها. نحن بحاجة إلى قناعة جماعية بضرورة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لأنها أكثر موثوقية وأكثر تأثيرا على العقول من أي قوة أخرى. نحن بحاجة إلى قناعة جماعية، بعد أن استوعبنا إشارات التعبئة الشعبية، بأن “الشناقة”، الذين يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح الوطن، مهما كانت الظروف، يقودون البلاد إلى طريق مسدود وخيبات أمل خطيرة. يجب أن نبتعد عن المنطق الضيق الذي قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأننا تجاوزنا الاضطرابات، كطائرة تواجه مطبات هوائية قبل أن تستعيد توازنها وتستأنف مسارها، لأن اضطرابات السياسة أشد خطورة من اضطرابات الجو. يجب ألا نصغي إلى من يتخذون من مقولة “الاستثناء المغربي” مبررا للجمود، محولين هذا الاستثناء إلى ضوء أخضر لعرقلة ديناميكيات التنمية ومتطلبات الانتقال. لا يجب أن ننقاد لهم أبدا.

نحن بحاجة إلى قناعة جماعية بأنه إذا ابتعد الجمهور عن السياسة، واختُزلت المشاركة في الانتخابات إلى لعبة تمارسها النخب الحضرية والقروية، بمعزل عن القاعدة الشعبية العريضة، فستصبح ممارسة منفرة، وستتحول الانتخابات إلى عملية لا تزيد إلا من نفور المواطنين من السياسة والسياسيين.

اليوم، يجب أن ندرك أن الأمر يتعلق بالوطن. فالوطن هنا ليس مجرد منطقة جغرافية تسكنها جماعة، بل هو جزء من هويةٍ وحضارةٍ وتاريخٍ.

إن المرحلة التي نمر بها تاريخية، وستكون لها عواقب. إما أن نساهم جميعا في نجاحها، أو ستكون فشلا سيُحاسب عليه الجميع في المستقبل.

لا يمكن لأي شخص عاقل أن ينكر التطور الذي تحقق في المغرب في العديد من المجالات. لا يمكن إنكار ما تم إنجازه. لكن إمكانياتنا تتجاوز ما تم تحقيقه. لا يمكننا أيضا إنكار حجم المشاكل التي تواجه المغرب.

اليوم، المغرب ليس في حالة يأس، لكن لا يمكن إنكار حجم المشاكل وتعقيدها:
مشاكل مرتبطة بالمؤسسات،
مشاكل مرتبطة بالعلاقات المجتمعية،
مشاكل مرتبطة بالانتماء والمواطنة،
مشاكل مرتبطة بالحقوق والواجبات،
مشاكل مرتبطة بقدرة الناس على العيش الكريم،
مشاكل مرتبطة بانعدام الثقة في العديد من المؤسسات،
مشاكل مرتبطة بهدر الوقت بسبب تقاعس غير مفهوم،
مشاكل مرتبطة بظاهرة مثابرة من الفساد والاحتيال والاستغلال،
مشاكل مرتبطة بتفاوت طبقي حاد بين قلة تملك كل شيء وأغلبية تكافح يوميا لتأمين قوتها اليومي،
مشاكل مرتبطة باستياء على المستويين الاقتصادي والثقافي،
وفوق كل ذلك، رغبة في التغيير يعبر عنها الجميع.
بالطبع، المسؤولية تقع على عاتق كل الأطراف. للدولة مسؤوليات لا يمكنها التهرب منها. عليها الوفاء بالتزاماتها بكل ما يلزم من موارد مادية وبشرية. لا يجوز للدولة أن تنفصل عن القطاعات الاجتماعية، كالصحة والتعليم والشغل، كما يقع على عاتقها مسؤولية تهيئة المناخ المناسب للاستثمار، والحفاظ على المؤسسات، وضمان تطبيق القانون، ووضع آليات للرصد والرقابة والتقييم.

كما نحتاج إلى أن تنأى الدولة بنفسها عن الحياة الحزبية، وأن تحترم استقلالية الأحزاب وقدرتها على الوجود دون ضغوط، وأن تؤمن بقدرتها على العمل، وأن تؤمن بدورها كقاطرة ديمقراطية.

إن المجتمع، بكل مكوناته، ملزم بضمان إنشاء آليات للتنمية والمشاركة في السياسة العامة، وفي الرقابة لتحسينها بما يخدم المصلحة العامة.

كل هذا يتطلب ثورة ثقافية تقوم على حب الوطن وخدمته، والتأكيد على أن المؤسسات يجب أن تعمل انطلاقا من هذا الأساس، أي، خدمة المصلحة العامة.
نحن بحاجة إلى مغرب يقوم على قيم واضحة للجميع، على مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان. على ديمقراطية تُستأصل فيها القبلية والمحسوبية والزبونية والبيروقراطية المرهقة، حيث يثق الناس في القانون ويحترمونه، ديمقراطية تُصاغ قوانينها بما يتماشى مع تطور المجتمع وتغيرات العصر. وتُصان فيها حقوق الإنسان وفقا للمعايير الدولية المعترف بها.

نحن بحاجة، الآن أكثر من أي وقت مضى، إلى مغرب المؤسسات وديمقراطية تشاركية، قائمة على قيم الديمقراطية كما هي متعارف عليها عالميا، لا على ديمقراطية الشعبوية التي تستغل الدين والمال.

المغرب الذي نريده هو مغرب يتعايش فيه الجميع بتسامح وتنوع.
مغرب يُمكِنه التطور من تبوؤ مكانته التي يستحقها على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.