مجلس بلا بوصلة: دورة الفراغ حين يُختزل تدبير المدينة في العقار

4 مايو 2026
مجلس بلا بوصلة: دورة الفراغ حين يُختزل تدبير المدينة في العقار
كلاش بريس / فتح الله حافظي

يبدو من خلال قراءة سريعة لجدول أعمال دورة مايو للمجلس الجماعي لمدينة سطات التي ستنعقد يوم غد الثلاثاء أن المجلس لا ينشغل فعليا بما يشغل الساكنة، بقدر ما يغرق في تفاصيل تقنية باردة، تكاد تختزل المدينة في مجرد وعاء عقاري تدار شؤونه بمنطق التفويت والكراء وتسوية الوضعيات. منذ الوهلة الأولى، لا نكون أمام جدول أعمال يعكس نبض المدينة، بل أمام وثيقة إدارية جافة، توحي بأن المؤسسة المنتخبة فقدت بوصلتها السياسية، وانزلقت نحو دور تقني صرف لتدبير الملك الجماعي.

حين نتمعن في تفاصيل جدول الأعمال، يتضح أن القاسم المشترك بين أغلب النقط هو العقار: تفويتات متكررة، عمليات كراء، تسوية وضعيات، ونزع ملكية باسم المنفعة العامة. لكن أي منفعة عامة هذه التي لا تجد صداها في قضايا الشغل، والصحة، والتعليم، والفضاءات العمومية، والعدالة المجالية؟ أي منفعة عامة هذه التي تختزل في إعادة توزيع الملك.

الأمر لا يتعلق هنا بتقنية التدبير، بل بخيارات سياسية صريحة، وإن حاولت أن تتخفى خلف لغة القانون. فتكريس هذا الحضور الطاغي للعقار داخل جدول الأعمال ليس بريئا، بل يعكس تصورا للمدينة باعتبارها مجالا للاستثمار وإعادة التموقع، أكثر مما هي فضاء للعيش المشترك. إنه منطق يضع القيمة العقارية فوق القيمة الاجتماعية، ويمنح الأولوية للمردودية بدل الكرامة
.
الأخطر من ذلك أن هذا التكرار شبه الميكانيكي لنقط متشابهة، خصوصا في ما يتعلق بالملفات العقارية، لا يبدو بريئا ولا عفويا، بل يكشف عن منطق “النسخ واللصق” الذي يحكم اشتغال المجلس، دون أي جهد يذكر لبلورة رؤية شمولية أو فتح نقاش عمومي حقيقي. إذ كيف يمكن تبرير عرض هذا العدد الكبير من القضايا المتقاربة بشكل مجزأ، خارج أي إطار استراتيجي واضح؟

في المقابل، يحضر الاجتماعي بخجل، بل يكاد يكون غائبا. لا أثر لنقاش جدي حول التشغيل، أو الهشاشة، أو أزمة الخدمات العمومية، أو اختلالات التهيئة الحضرية. وكأن المجلس يوجه رسالة صامتة مفادها أن هذه القضايا ليست أولوية، أو أنها خارج اختصاصه، أو — وهذا هو الأخطر — أنها لا تدخل أصلا في تصوراته لدور الجماعة.

وتأسيسا على جدول الأعمال هذا، جاز — دون مبالغة — أن تسمى هذه الدورة “دورة الفراغ”: فراغ من الرؤية، فراغ من الحس الاجتماعي، وفراغ من الجرأة السياسية. فراغ يختبئ خلف كثافة شكلية للنقط، لكنه يكشف في العمق عن عجز في طرح الأسئلة الحقيقية التي تهم الساكنة.

هذا التحول من السياسة إلى التقنية ليس تفصيلا عاديا، بل هو جوهر الأزمة. حين تختزل الديمقراطية المحلية في تدبير إداري، تفرغ من مضمونها، ويتحول المنتخب من فاعل سياسي إلى مجرد وسيط تقني. وهنا، لا يعود النقاش حول الاختيارات، بل حول المساطر، لا حول العدالة، بل حول الشرعية الشكلية، لا حول من يستفيد، بل حول كيف ينفذ القرار.

من زاوية نقدية واضحة، ما يجري ليس مجرد اختلال في جدول أعمال، بل تعبير عن هيمنة تصور محافظ للمدينة، يعتبرها موردا يجب تدبيره، لا فضاء يجب تغييره. تصور يتعايش بسهولة مع التفاوتات، ولا يرى في الفوارق الاجتماعية مشكلة، بل نتيجة “طبيعية” لمسار التنمية. في هذا الأفق، يصبح العقار أداة لإعادة إنتاج نفس البنية الاجتماعية، بدل أن يكون رافعة للعدالة.
إن مجلسا يشتغل بهذا المنطق، لا يمكنه إلا أن يعمق الهوة بين المؤسسة والساكنة. لأن المواطنين لا ينتخبون من أجل المصادقة على تفويتات، بل من أجل الدفاع عن حقوقهم في المدينة: الحق في السكن اللائق، في النقل، في الصحة، الحق في بيئة سليمة وفي فضاء عمومي كريم. وحين تغيب هذه القضايا عن جدول الأعمال، فإن الغياب لا يكون تقنيا، بل سياسيا بامتياز.

لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى تعديل تقني في ترتيب النقط، بل إلى قطيعة حقيقية مع هذا المنطق التدبيري الضيق. المطلوب هو إعادة الاعتبار للسياسة بمعناها النبيل: صراع ونقاش حول الأولويات ومجالات توزيعها، معانحياز واضح لمصالح الفئات الشعبية.

غير ذلك، سنبقى أمام مجالس تدبر العقار… وتعمق الفراغ.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.