بالقلم الأحمر : جامعة الحسن الأول بسطات.. من يحاسب المتسترين؟

19 أكتوبر 2026
بالقلم الأحمر : جامعة الحسن الأول بسطات.. من يحاسب المتسترين؟

فتح الله حافظي

أعادت المستجدات القضائية في ملف شبهات التلاعب بنتائج الماستر بجامعة الحسن الأول بسطات القضية إلى الواجهة، بعد إيداع مستشار جماعي السجن المحلي عين علي مومن، ومتابعة أستاذ جامعي في حالة سراح بكفالة مالية، مع منعه من السفر، وفق ما تداولته الأخبار.

وبقدر ما تفرض هذه التطورات احترام المساطر القضائية وقرينة البراءة، فإنها تفرض أيضا الانتقال من مجرد متابعة المستجدات إلى طرح سؤال المسؤولية المؤسساتية: كيف أمكن أن تتراكم الشبهات حول الولوج إلى الماستر؟ وما مصير الشكايات التي سبق أن تقدم بها نزهاء من داخل الجامعة؟ وهل جرى التعامل معها بالجدية والسرعة اللتين تقتضيهما حماية مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص؟
إن أخطر ما يهدد المؤسسات الجامعية ليس فقط احتمال وقوع اختلالات، بل أيضا احتمال أن تجد هذه الاختلالات بيئة حاضنة تسمح باستمرارها، بسبب تجاهل الشكايات أو تعطيل التحقق منها أو التستر المتعمد على مضمونها، وربما منع وصولها الى الجهات المعنية. فحين يختار مسؤول الصمت أمام معطيات جدية، أو يتعامل مع المشتكي باعتباره مصدر إزعاج بدل اعتباره شريكا في حماية المؤسسة، فإنه يفرغ آليات الرقابة من مضمونها، ويضعف الثقة في الإدارة الجامعية.

ومن هنا، فإن المطالبة بالمحاسبة يجب ألا تتوقف عند الأشخاص الذين شملتهم الإجراءات القضائية، بل ينبغي أن تمتد، في إطار القانون، إلى فحص مسؤولية كل من كانت له صلاحية التدخل أو المراقبة أو معالجة الشكايات. فالمسؤولية المؤسساتية لا تعني توجيه اتهامات جزافية، وإنما تعني تحديد من توصل بالشكايات، وكيف تعامل معها، وما الإجراءات التي اتخذها، وأسباب أي تأخير أو امتناع عن التحرك، مع ترتيب الآثار القانونية والإدارية متى ثبتت المخالفات.

وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، بل إطلاق افتحاص إداري ومؤسساتي جدي ومستقل بشأن مآل الشكايات السابقة المرتبطة بشبهات الاختلال داخل الجامعة، وتحديد المسؤوليات بدقة، وإحالة كل ما يثبت أنه يشكل أفعالا مخالفة للقانون على الجهات المختصة.

كما يتعين توفير الحماية الإدارية للمبلغين بحسن نية، وضمان عدم الانتقام منهم أو تهميشهم بسبب كشفهم اختلالات محتملة، وإرساء آلية واضحة لتلقي الشكايات وتتبعها والرد عليها داخل آجال معقولة.

إن رئاسة الجامعة، وإدارة الكلية، والهيئات المكلفة بالتدبير والرقابة، كل في حدود اختصاصاته، مطالبة بتحمل مسؤولياتها في حماية نزاهة التكوين والانتقاء، وتوضيح المساطر المعتمدة، وضمان شفافية النتائج، وإعمال قواعد تضارب المصالح عند الاقتضاء. كما أن الجهات الوصية مطالبة بالتأكد من أن آليات الرقابة الداخلية تؤدي دورها فعليا، لا أن تظل مجرد إجراءات شكلية لا تتحرك إلا بعد وصول الملفات إلى القضاء.

ولا ينبغي أن يتحول الحفاظ على سمعة الجامعة أو المؤسسة، إلى ذريعة لتأجيل المساءلة أو احتواء الشكايات بعيدا عن الشفافية. فالسمعة المؤسسية لا تُحمى بإخفاء الاختلالات، بل بكشفها ومعالجتها، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عنها، وإنصاف من نبّهوا إليها في الوقت المناسب.

إن المطلب اليوم واضح وحاسم: تحقيق قضائي في الأفعال المشتبه فيها، وافتِحاص مؤسساتي في الشكايات التي سبقتها، ومساءلة كل من ثبت تورطه أو تستره أو إخلاله بواجباته، دون انتقائية أو استثناء. فلا إصلاح جامعي دون رقابة فعلية، ولا نزاهة دون حماية المبلغين، ولا ثقة في المؤسسات ما دام احتمال إفلات المتسترين من المساءلة قائما. إن المطلوب ليس التضحية بأسماء لإغلاق الملف، بل كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات كاملة، ومنع تكرار ما حدث.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.