أمين شطيبة
لم يعد مستبعدا أن يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام منعطف سياسي وتنظيمي حاسم عنوانه الأبرز الانتقال من مقاعد التدبير الحكومي إلى مقاعد المعارضة، ذلك النادي الذي قد لا يدخله بعض الأحزاب باختيارها بل تجد نفسها في صفوفه بفعل صناديق الاقتراع وتقلبات السياسة فالحزب الذي قاد الحكومة وعاش لسنوات على إيقاع تدبير السلطة بات مطالبا بمواجهة سؤال ظل مؤجلا تحت سقف الأغلبية ماذا تبقّى من رصيد الحزب حين تنطفئ أضواء الحكومة وتغادر الكراسي أصحابها؟
لقد ظل التجمع الوطني للأحرار إلى آخر لحظة متشبثا بما يشبه آخر خيط من الأمل في العودة إلى حكومة المونديال, غير أن بعض قيادييه وفق قراءات سياسية سبقت الإعلان عن نتائج اقتراع 23 شتنبر كانوا يدركون أن الطريق إلى الولاية الحكومية المقبلة لن يكون مفروشا بالورود وأن احتمال الانتقال إلى المعارضة لم يعد مجرد فرضية عابرة، وقد زادت من تعقيد المشهد أسئلة التنظيم والقيادة في مقدمتها الطريقة التي آل بها محمد شوكي إلى رئاسة الحزب وما أثارته من تساؤلات حول توقيت الاختيار ومدى الاستعداد له وقدرته على استيعاب مرحلة تتطلب أكثر من مجرد انتقال إداري من قيادة إلى أخرى.
فالسياسة لا تُدار بالنوايا وحدها ولا تختزل في تبديل الأسماء وتوزيع المواقع بل إنها قبل كل شيء فن قراءة المجتمع واستيعاب انتظاراته، والقدرة على التمييز بين ما تريده القيادة وما يريده المواطن وحين تنشأ فجوة بين الخطاب والممارسة وبين الوعود والحصيلة تصبح صناديق الاقتراع أكثر من مجرد محطة انتخابية بل تتحول إلى مرآة تعكس ما راكمته التجربة من نجاحات وإخفاقات وما ينبغي مراجعته قبل أن تتسع دائرة التراجع.
خسر الحزب معركة الانتخابات لكن معركة استعادة الثقة لم تبدأ بعد إلا في عنوانها العريض، فالمعارضة ليست مقعدا مريحا لمن اعتادوا تدبير شؤون الحكومة وليست استراحة سياسية في انتظار دورة انتخابية جديدة، إنها امتحان آخر للقدرة على الإقناع وإعادة بناء الذات ومساءلة التجربة السابقة من دون مكابرة أو انتقائية، ومن يظن أن الخروج من الحكومة يعني فقط مغادرة مكاتبها يغفل أن الخروج الحقيقي يبدأ حين يفقد الحزب قدرته على التأثير في المواطنين وحين تصبح شعاراته أقل إقناعا من أسئلة الشارع.
ولذلك، فإن الخطر الذي ينبغي أن يستنفر حراس “عش الحمام” لا يقف عند حدود خسارة الاستحقاق التشريعي بل يمتد إلى ما قد تخلّفه هذه الخسارة من ارتدادات على الحضور التنظيمي والانتخابي للحزب في المجالس الجماعية والمحلية، مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، لأن فالتراجع اذا لم يقرأ مبكرا وتستخلص منه الدروس قد يتحول من هزيمة انتخابية محدودة إلى أزمة ثقة أوسع ومن خسارة مواقع إلى اهتزاز صورة حزب قدم نفسه لسنوات باعتباره عنوانا للنجاعة والإنجاز.
وأول طريق الإنقاذ ليس البحث عن شماعات تعلّق عليها الخسارة ولا الاكتفاء بتبادل الاتهامات داخل الغرف التنظيمية المغلقة وإنما الشروع في نقد ذاتي صريح وشجاع يضع حصيلة الولاية الحكومية المنتهية على طاولة المساءلة السياسية، نقد لا يكتفي بجرد ما تحقق بل يتوقف بالقدر نفسه عند ما تعثر وما لم يتحقق وما أثار استياء المواطنين أو أثقل كاهلهم، فالحصيلة الحكومية لا تُقاس بما تعرضه البلاغات الحزبية من أرقام ومؤشرات فحسب بل بما يلمسه المواطن في معيشه اليومي وفي قدرته على مواجهة تكاليف الحياة وفي ثقته بجدوى الوعود التي قدّمت باسمه.
إن تحمل المسؤولية السياسية ليس اعترافًا بالضعف بل دليل على النضج والاعتذار للمغاربة متى اقتضته الوقائع عن قرارات أو إجراءات ألحقت بهم ضررا، ليس تنازلا عن الشرعية بل محاولة لاستعادة ما قد تكون التجربة قد استنزفته من رصيد الثقة، أما الإصرار على تبرير كل شيء وتصوير كل انتقاد باعتباره استهدافا فلن يفعل سوى تعميق المسافة بين الحزب والمجتمع، فالمواطن لا ينتظر من السياسي أن يدّعي العصمة وإنما أن يمتلك شجاعة الاعتراف ونزاهة التقييم وإرادة التصحيح.
وبعد المراجعة السياسية تأتي ضرورة المراجعة التنظيمية، وهنا يجد الحزب نفسه أمام سؤال القيادة هل يستطيع محمد شوكي أن يشكل عنوانا لمرحلة جديدة وأن يجمع الصفوف حول مشروع واضح أم أن مقتضيات المرحلة تستدعي فتح نقاش تنظيمي جاد بشأن القيادة والاختيارات المقبلة؟ إن الدعوة إلى مؤتمر استثنائي إن اختارها الحزب ينبغي ألا تكون مجرد رد فعل انفعالي على خسارة انتخابية ولا عملية لتصفية الحسابات بل محطة ديمقراطية حقيقية لتقييم التجربة وتجديد الشرعية التنظيمية وتحديد المسؤوليات واختيار قيادة قادرة على استعادة الثقة داخل الحزب وخارجه.
فالمشكلة لا تكمن في اسم بعينه بقدر ما تكمن في المنهج الذي تُدار به المؤسسة الحزبية وفي قدرتها على إنتاج قيادات تستمد مشروعيتها من العمل الميداني والإنصات إلى القواعد واحترام التعدد الداخلي والارتباط الفعلي بانشغالات المواطنين، وإذا كان تغيير القيادة سيطرح بوصفه مدخلا للإصلاح فلا بد أن يكون جزءا من مراجعة أعمق لا مجرد تغيير للافتة مع الإبقاء على الأثاث نفسه.
إن التجمع الوطني للأحرار يحتاج اليوم إلى شخصية تجمع بين قوة الحضور ووضوح الرؤية وبين القدرة على التعبئة والاستعداد للمساءلة، شخصية تعرف كيف تخاطب التجمعيين والتجمعيات لا بلغة التعليمات وحدها بل بخطاب يعيد إليهم الإحساس بأن الحزب أكبر من الأشخاص، وأن الانتماء إليه ليس ارتباطا عابرا بمرحلة حكومية أو بقيادة سياسية وإنما التزام بمشروع قابل للاستمرار والتجدد.
وهنا يمكن استحضار المعنى الذي تختزله العبارة الشهيرة “من كان ولاؤه للأشخاص قد انتهى بانتهائهم ومن كان ولاؤه للمؤسسات بقي ببقائها”، فالحزب الذي يربط مصيره بشخص واحد مهما بلغ حضوره يجعل مستقبله رهينا بمستقبل ذلك الشخص أما الحزب الذي يؤمن بمؤسساته ويحتكم إلى قواعده ويجدد نخبته فإنه يمتلك فرصة حقيقية للاستمرار بعد تبدل القيادات وتعاقب المراحل.
أيها التجمعيون والتجمعيات إن نهاية مرحلة سياسية لا تعني بالضرورة نهاية الحزب كما أن مغادرة الحكومة لا تعني فقدان الحق في الفعل والتأثير لكنها تعني أن زمن الاكتفاء بالإنجازات المعلنة قد انتهى وأن زمن مراجعة الذات قد حان, فلا تجعلوا الولاء للأشخاص يحجب عنكم مصلحة التنظيم ولا تسمحوا لمرارة الخسارة أن تتحول إلى صراع داخلي يستنزف ما تبقى من رصيدكم السياسي.
لقد بدأ امتحان جديد, امتحان لا تمنح فيه الشهادات بمجرد امتلاك المقاعد بل بمدى القدرة على الإنصات والنقد والتجديد لأن الأحزاب لا تسقط حين تغادر الحكومة بالضرورة وإنما حين تعجز عن فهم أسباب مغادرتها وتصر على التعامل مع الخسارة باعتبارها حادثا عابرا لا يستحق المراجعة.
فمن لم يمارس السلطة قد يخطئ في تقديرها ومن مارسها لا يعفى من محاسبة تجربته، لكن الحزب الذي يتعلم من أخطائه يستطيع أن يحول الهزيمة إلى بداية جديدة، أما من يكتفي بتغيير الوجوه من دون تغيير الأفكار والممارسات فلن يفعل سوى تأجيل الأسئلة الصعبة إلى موعد انتخابي آخر قد لا يكون أكثر رحمة من سابقه.
والأكثر إن الامتحان الحقيقي الذي ينتظر التجمع الوطني للأحرار لا يتعلق فقط بقدرته على تقبل مغادرة الحكومة بل بمدى استعداده لخوض معركة المعارضة بكل ما تقتضيه من يقظة سياسية وجرأة في الموقف واستقلالية في القرار، لأن هناك فارق شاسع بين معارضة تمارس دورها الدستوري والرقابي بجدية وتضع السياسات العمومية تحت مجهر المساءلة وتقدم البدائل بدل الاكتفاء برصد الاختلالات، وبين معارضة صورية لا تتجاوز حدود تسجيل الحضور أو معارضة ناعمة تبقي خيوط الود موصولة مع الأغلبية فتخشى إحراجها أكثر مما تحرص على مساءلتها.
وهنا تحديدا يطرح السؤال هل سيقطع “الأحرار” مع عقلية التدبير الحكومي ويعيدون اكتشاف أدوارهم من موقع المساءلة أم سيظلون أسرى علاقات المرحلة السابقة وحساباتها؟ إن المعارضة ليست مقاعد تشغل بعد مغادرة الحكومة ولا خطابا يستعار عند الحاجة بل مسؤولية سياسية تقتضي وضوح الموقف وصرامة الرقابة وشجاعة الاعتراف بأخطاء التجربة السابقة، أما الاكتفاء بدور الكومبارس في مشهد سياسي تتصدره أغلبية جديدة فلن يكون سوى استمرار للحضور من دون تأثير وللظهور من دون أثر، فالسياسة لا تكافئ من يكتفي بالبقاء على الخشبة بل من يمتلك شجاعة أداء دوره كاملا حتى حين لا تكون الأضواء مسلطة عليه.













