حين يتحول “الحولي” إلى قنبلة داخل البيوت المغربية

منذ ساعتين
حين يتحول “الحولي” إلى قنبلة داخل البيوت المغربية
كلاش بريس / ع الشاشي

حوّلَ غلاءُ الأضاحي واقترابُ عيد الأضحى حياةَ آلاف الأسر المغربية إلى حالة من الضغط النفسي والاحتقان الاجتماعي، بعدما تحولت مناسبة دينية قائمة على الرحمة والتيسير إلى اختبار قاسٍ للقدرة المادية، ومعيار اجتماعي تُقاس به “مكانة” الرجل داخل الأسرة والمجتمع.

موظفون بسطاء، عمال محدودو الدخل، وآباء يواجهون يومياً مصاريف الكراء والتنقل ومتطلبات الأبناء، يجدون أنفسهم فجأة أمام مطالب تفوق طاقتهم بكثير، فقط لإرضاء نظرة المجتمع أو تفادي تعليقات جارحة قد تهز كرامتهم. فوسط موجة الغلاء التي تضرب الأسواق، تحول سؤال “هل الأضحية واجبة وفق القدرة والاستطاعة؟”، إلى : “كم يبلغ ثمن الحولي؟ وما حجمه؟”.

وتكشف قصص كثيرة متداولة بين المواطنين حجم المعاناة الصامتة التي يعيشها أرباب الأسر، بعدما صار بعضهم يفكر في الاقتراض أو بيع ممتلكاته البسيطة أو الدخول في دوامة الديون فقط لشراء أضحية “تليق بالمظهر الاجتماعي”، رغم أن الدخل الشهري بالكاد يكفي لتغطية أساسيات الحياة.

الأخطر من الأزمة المادية هو الضغط النفسي الذي يرافقها، حيث تتحول الخلافات حول الأضحية أحياناً إلى صراعات حادة داخل البيوت، وتُستعمل كلمات جارحة تمس كرامة الرجل وقدرته على التحمل، وكأن الرجولة أصبحت مرتبطة بحجم “الحولي” وليس بحجم المسؤولية والتضحية اليومية التي يقدمها رب الأسرة لأبنائه.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار المعيشة بشكل غير مسبوق، تعيش فئات واسعة من الموظفين والعمال دون دعم حقيقي يخفف عنهم أعباء المناسبات الدينية، ما يزيد من الشعور بالاختناق الاجتماعي، ويدفع كثيرين إلى فقدان التركيز في العمل والانهيار النفسي تحت وطأة الضغوط المتراكمة.

كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تأجيج هذه الظاهرة، بعدما تحولت صور الأضاحي الضخمة إلى وسيلة للتفاخر والاستعراض، ما عمّق ثقافة المقارنة بين الأسر، وخلق إحساساً بالعجز لدى فئات واسعة لا تملك القدرة على مجاراة هذا السباق الاستهلاكي المحموم.

إن جوهر عيد الأضحى قائم على التقرب إلى الله بروح التضامن والرحمة، فلا تجعلوه استعراضا للقدرة المالية أو إذلال الناس بظروفهم الاجتماعية. فحين يتحول “الحولي” إلى سبب للخلاف والديون والانكسار النفسي، يصبح المجتمع أمام أزمة قيم حقيقية تحتاج إلى كثير من الوعي والتعقل.

ويبقى السؤال المؤلم مطروحاً: إلى متى سيظل البسطاء يدفعون ثمن ثقافة المظاهر، في زمن صار فيه الحفاظ على التوازن الأسري والكرامة المعيشية أصعب من شراء أضحية العيد نفسها؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.