كلاش بريس / س بنقاور
تستعد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لإطلاق ما تصفه بإصلاح تاريخي للضريبة على الدخل، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، في إطار مسار يمتد من 2027 إلى 2031. لكن خلف الوعود بتخفيف العبء الضريبي وتحسين القدرة الشرائية للأجراء، يبرز سؤال جوهري: هل يحقق هذا الإصلاح العدالة الجبائية، أم أن المستفيدين منه سيحصلون على مكاسب متفاوتة تعمّق الفوارق بين أصحاب الأجور؟
وبحسب العرض الذي قدمه وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع أمام البرلمان يوم 24 أكتوبر، يقوم الإصلاح على ثلاثة محاور رئيسية: رفع سقف الدخل السنوي المعفى من الضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الشرائح الضريبية من خمس إلى ثلاث، بمعدلات تبلغ 10 و20 و30 في المائة، إلى جانب خفض المعدل الأقصى للضريبة من 37 إلى 30 في المائة.
وتراهن الحكومة على أن ترفع هذه الإجراءات نسبة الأجراء المعفيين من الضريبة إلى 87 في المائة، مع تحقيق ربح شهري متوسط يناهز 500 درهم لفائدة معظم الأجراء، مقابل كلفة إجمالية تناهز 5.5 مليارات درهم على خزينة الدولة.
غير أن الأرقام التي قدمتها الحكومة نفسها تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول توزيع المكاسب. فبحسب المعطيات المعلنة، سيستفيد موظف يتقاضى 11.800 درهم من مكسب يصل إلى 1.186 درهماً بحلول سنة 2031، بينما يرتفع المكسب إلى 3.079 درهماً بالنسبة إلى موظف يبلغ أجره 18.700 درهم.
وهنا يطرح السؤال: إذا كانت المكاسب ترتفع كلما ارتفع الأجر، فإلى أي مستوى يمكن أن تصل بالنسبة إلى أصحاب الدخول العليا؟ إن خفض المعدل الضريبي الأقصى من 37 إلى 30 في المائة يعني، من حيث المبدأ، تخفيف العبء عن الفئات التي تخضع للشرائح العليا، بما يتيح لها تحقيق مكاسب أكبر من حيث القيمة النقدية، بحسب دخلها الخاضع للضريبة وباقي المقتضيات المعتمدة.
في المقابل، فإن الأجير الذي يتقاضى 6.000 درهم شهرياً، والذي يستفيد أصلاً من إعفاءات ضريبية واسعة أو لا يؤدي ضريبة على الدخل بحسب وضعيته، لن يستفيد بالضرورة من مكاسب مماثلة، رغم أن قدرته الشرائية تتعرض لضغط متزايد بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة والكراء والتعليم والعلاج.
لا يتعلق الأمر بإنكار أهمية توسيع دائرة الإعفاء الضريبي، فهذه خطوة يمكن أن تخفف العبء عن فئات واسعة من الأجراء. لكن الإشكال يكمن في مدى قدرة هذا الإصلاح على تحقيق توزيع أكثر إنصافاً للمكاسب، خصوصاً عندما تكون الزيادة النقدية التي يحصل عليها صاحب الأجر المرتفع أكبر بكثير من تلك التي يحصل عليها محدود الدخل.
فالإصلاح، وإن كان يخفف العبء الضريبي عن شرائح متعددة، لا يعني بالضرورة أن جميع الفئات ستستفيد بالقدر نفسه. وكلما ارتفع الدخل الخاضع للضريبة، أمكن أن ترتفع قيمة المكسب الناتج عن التخفيض، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام هذه السياسة مع أهداف الدولة الاجتماعية التي تضع تحسين القدرة الشرائية وتقليص الفوارق في صلب أولوياتها المعلنة.
وإذا كان الهدف الحقيقي هو تحسين أوضاع الفئات التي تعاني أكثر من الغلاء، فإن الأمر يحتاج إلى مقاربة تتجاوز التخفيض الضريبي وحده، عبر إجراءات موازية تشمل تحسين الأجور الدنيا، وتوسيع الدعم المباشر للفئات المستحقة، وتعزيز الخدمات العمومية، حتى لا تبقى الفئات محدودة الدخل في مواجهة متواصلة مع ارتفاع تكاليف الحياة.
فالعدالة الجبائية لا تُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين سيُعفون من الضريبة، ولا بحجم الأموال التي ستبقى في جيوب الأجراء، بل أيضاً بكيفية توزيع هذه المكاسب ومدى انعكاسها على الفئات الأكثر هشاشة.
وفي النهاية، قد يجد بعض أصحاب الأجور المرتفعة أنفسهم أمام مكاسب مالية مهمة، بينما ينتظر أصحاب الدخول المحدودة زيادة تساعدهم على مواجهة مصاريف الكراء والمدرسة والعلاج. وبين الطرفين، يبقى السؤال مطروحاً: هل يكفي تخفيف الضريبة لتحقيق العدالة الاجتماعية، أم أن الإنصاف يقتضي أن تكون الأولوية لمن هم أشد حاجة إلى تحسين دخلهم وقدرتهم الشرائية؟













