بقلم: فتح الله حافظي
حين يصبح الخوف جزءا من يوميات العمل، وتتحول العقوبات إلى مصدر للاحتقان بدل أن تكون أداة لضبط المسؤولية، فإن الخلل لا يعود إداريا فحسب، بل يمس جوهر العلاقة بين المؤسسة وأجرائها. فليس أخطر على مؤسسة من أن تطلب المردودية ممن تُضعف فيهم الثقة، وتطالب بالالتزام في مناخ يشعرون فيه بأن كرامتهم وحقوقهم موضع تهديد.
هذا ما يضعه بلاغ المكتب النقابي للدار البيضاء، التابع للنقابة الوطنية لمجموعة البنك الشعبي، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الصادر في 26 أكتوبر 2026، على طاولة النقاش، من خلال حديثه عن عقوبات يعتبرها غير مبررة، واختلالات في احترام المساطر القانونية وضمانات الدفاع.
إنها ادعاءات تستوجب التحقق، لكنها تضع إدارة شبكة البنك الشعبي الدارالبيضاء والإدارة المركزية أمام مسؤولية واضحة: فصلاحيات التأديب لا تعني إطلاق اليد في العقاب، والانضباط المهني لا يبرر المساس بحقوق الأجراء. كما أن المرض والإجازة المرضية ليسا امتيازا، بل حقان تحكمهما القوانين، ولا يجوز أن يتحولا إلى مصدر للضغط أو المؤاخذة غير المشروعة.
والأخطر أن هذه الإجراءات الصادرة عن إدارة شبكة البنك الشعبي للدار البيضاء لا تنسجم مع روح التعاقدات الاجتماعية القائمة بين النقابة الوطنية لمجموعة البنك الشعبي، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والإدارة المركزية. فالتعاقد الاجتماعي ليس مجرد وثيقة أو التزام شكلي، بل أساس لتنظيم العلاقة المهنية، وضمان الحقوق، وتدبير الخلافات بالحوار والتفاوض. وأي تراجع عن مقتضياته يهدد الثقة بين الطرفين، ويُفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه.
المطلوب، إذن، ليس تبادل الاتهامات، بل مراجعة القرارات موضوع النزاع، والتحقق من سلامة المساطر، وفتح حوار اجتماعي جدي يعالج أسباب الاحتقان قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة. فالإدارة القوية ليست تلك التي تفرض قراراتها فحسب، بل التي تستطيع تبريرها قانونيا، وتصحيح أخطائها، وكسب ثقة العاملين.
أما إعلان المكتب النقابي استعداده للتعبئة وخوض الأشكال النضالية المشروعة، فينبغي أن يُقرأ باعتباره إنذارا بضرورة التدخل، لا مجرد تصعيد في الخطاب.
فالمؤسسة التي تدير بالترهيب قد تنتزع الامتثال، لكنها لا تصنع الالتزام؛ وقد تفرض الصمت، لكنها لن تكسب الثقة. والمردودية التي تُبنى على الخوف تظل هشة، مهما بدت أرقامها مطمئنة.
لذلك، فإن الامتحان الحقيقي أمام إدارة البنك الشعبي ليس إثبات قدرتها على فرض سلطتها، بل إثبات أن هذه السلطة محكومة بالقانون، وأن كرامة الأجير ليست ثمنا مقبولا للنجاعة الاقتصادية.
فإذا كان البنك الشعبي يراهن على المردودية، فعليه أن يحمي شروطها؛ وإذا كانت الإدارة تطالب بالانضباط، فعليها أن تكون أول من ينضبط للقانون. أما حين تُوضع الكرامة في مواجهة الإنتاج، ويُضرب التعاقد الاجتماعي عرض الحائط، فإن الخاسر في النهاية ليس الأجير وحده، بل المؤسسة برمتها.













