الذكاء الاصطناعي يقتحم الدراما المغربية!

14 أكتوبر 2026
الذكاء الاصطناعي يقتحم الدراما المغربية!

عبد العزيز بنعبو

: عاد سؤال الأصالة الإبداعية البشرية إلى واجهة النقاش داخل المشهد الفني المغربي، بعد تفجر قضية وصفت بـ «الفضيحة»، بطلها الفنان عبد الله فركوس، الذي قال بعفوية إنه استعان بالذكاء الاصطناعي لكتابة سيناريو عمل كوميدي جديد.

ويرى عدد من النقاد أن ما قاله فركوس هو قليل من كثير، كما أنه كشف المستور فقط، لأن الاستعانة بالتوليد الاصطناعي صارت أمرا واقعا، ليس في المغرب وحده، بل في مختلف دول العالم. لكنهم توقفوا عند الصناعات الفنية التي تحترم تاريخها وتحترم المشاهد، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد الاستعانة بأداة جديدة، بل بمدى حضور المبدع نفسه في العمل الذي يقدمه للجمهور.

الواقع في المغرب أن العديد من «الفيديو كليبات» الغنائية، مثلا، صارت تعتمد على الصور والمشاهد المولدة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع المخرج وباقي المتدخلين في صناعة الصورة. فالمجهود الذي كان يتطلب وقتا وعملا جماعيا أصبح، في بعض الحالات، قابلا للاختزال في حاسوب ونقرات الأزرار، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل عمل يعتمد هذه التقنية يخلو من الرؤية الفنية أو الجهد الإبداعي.

في عالم السينما والدراما، يبدو الأمر مختلفا. فإلى حدود واقعة عبد الله فركوس، ظل الحديث عن توظيف الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات الأعمال مجرد افتراضات وتخمينات، أو اتهامات توجه لهذا المخرج أو ذاك المنتج، دون أن تتحول إلى نقاش علني بهذا الحجم.

لذلك، أثار تصريح الفنان فركوس الكثير من الجدل داخل الأوساط الفنية والإعلامية المغربية، حين كشف، وهو يتحدث لبرنامج إذاعي، عن استعانته بتقنيات الذكاء الاصطناعي لكتابة سيناريو عمله التلفزيوني الكوميدي الجديد. وأكد دخوله في حوار تفاعلي مع إحدى منصات التوليد المتاحة مجانا، حيث زوّدها بالخطوط العريضة لقصة اجتماعية تتناول صراعا أسريا بين أربعة أو خمسة أفراد حول الإرث، لتتولى الأداة اقتراح الهيكل والأفكار الدرامية في وقت وجيز، في تجربة اعتبرها استفادة من التطور التكنولوجي.

وكما يقال، فإن المصيبة ترتبط دائما بالآخرين حتى تقع وسط الدار، وهو ما جعل النقاش حول الذكاء الاصطناعي داخل الوسط الفني المغربي ينتقل من التلميح إلى التصريح، بعدما فجره تصريح فركوس، وأعاد إلى الأذهان أسئلة ظلت مؤجلة حول مستقبل الكتابة الدرامية ومكانة أصحابها.

وكعادة الاختلاف، انقسمت الآراء بين النقاد وصناع الدراما في المغرب؛ إذ رأى الفريق المنتقد أن الواقع الاجتماعي والخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي يعتمدان على تفاصيل إنسانية عميقة، لا يكفي جمعها في أوامر مكتوبة لإنتاج سيناريو يحمل روح المجتمع ونبضه. كما حذر من أن الترويج لهذه الآليات قد يكرس استسهال عملية الكتابة، ويهدد المكانة المهنية لكاتب السيناريو البشري، إضافة إلى طرح علامات استفهام حول حقوق الملكية الفكرية ومعايير قبول هذه النصوص لدى لجان الدعم والقنوات التلفزيونية المغربية. وفي المقابل،

اعتبرت فئة من المتابعين أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تعدو كونها أداة عصرية يمكن توظيفها في مرحلة العصف الذهني وبناء الهياكل العامة، مشددة على أن المعيار الحقيقي يظل مرتبطا بجودة المنتج النهائي، وبمدى تدخل الكاتب في تطوير النص وإعادة صياغته بما يخدم البيئة المحلية ويحافظ على خصوصية الشخصيات والحوار.

بالنسبة إلى أهل التخصص، ربط السيناريست والكاتب عبد الإله بنهدار، في رؤيته للقضية، بين حتمية التطور التكنولوجي ومخاطر تغول «نظام التفاهة» على المشهد الفني والأكاديمي. ويرى أنه لا يمكن لأحد أن «يسبح عكس التيار» في ظل السطوة الكبيرة لوسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، خاصة لدى الجيل الجديد.

وأكد، متحدثا لـ «القدس العربي»، أن الذكاء الاصطناعي بات واقعا لا مفر منه، وبالتالي لا فائدة من المبالغة في شجبه أو الحط منه، بل يجب التعامل معه كـ «ذكاء إنساني»، لكونه منتجا بشريا في الأصل، أوجدته العقلية الإنسانية.

وعن الواقعة المرتبطة بالفنان عبد الله فركوس، الذي اشتغل معه بنهدار سابقا في أعمال مسرحية، اعتبر المتحدث أنه «لا لوم عليه» في سعي المبدع إلى التجريب والاستفادة من هذه الأدوات، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في سياق عام يصفه، مستعينا بمفهوم الفيلسوف آلان دينو، بـ «نظام التفاهة».

وأجرى بنهدار مقارنة بين تعاطي الغرب والواقع المحلي مع هذه التحولات، حيث أشار إلى خوض نقابات السيناريست المحترفين في الولايات المتحدة الأمريكية نضالات شرسة لحماية المهنة ومبدعيها، بينما يعاني المشهد المحلي، حسب تعبيره، من تشجيع المسؤولين للتفاهة واستباحة التقنية الإلكترونية للفن الرخيص، حتى أصبحت بعض لجان التحكيم والتقييم في المسرح والسينما تضم أشخاصا يناقشون أعمالا لمن هم أكثر منهم تجربة وكفاءة. وفي ما يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة «التمغربيت» (الأصالة المغربية) والدقائق اللغوية للدراما المحلية، أوضح بنهدار أن التكنولوجيا، باعتبارها أداة عصرية مساعدة أو وسيلة لـ «العصف الذهني»، لا بأس بها، لكن تحويلها إلى «مبتدأ العمل ومنتهاه» هو الجهل بعينه وعبث حقيقي يكرس الاستنساخ.

واستحضر بنهدار واقعة شهدها بنفسه أثناء مشاركته في لجنة مناقشة بحث ماستر في جامعة مغربية، حيث اكتشف أن الطالب الباحث نقل بحثه بالكامل «بالنقطة والفاصلة» من موقع «ويكيبيديا»، وأصر على أنه مجهوده الشخصي، حتى صدم بالنص الأصلي على شاشة الهاتف، معتبرا أن هذه الواقعة

كتبه عبد العزيز بنعبو القدس العربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.