كلاش بريس / خريبكة
ما يجري اليوم بقيسارية الرافا، وسط مدينة خريبكة، لم يعد خلافاً تقنياً حول رخصة بناء، بل تحوّل إلى قضية تمس بشكل مباشر حق المارة في استعمال ممر عمومي يربط بين شارع مراكش وزنقة مولاي عبد الله، داخل نسيج حضري ظل مفتوحاً في وجه العموم لأزيد من ثلاثة عقود.
فرغم تعدد المراسلات الرسمية، ومعاينات اللجان التقنية المختصة، والتوضيحات الصادرة عن عمالة إقليم خريبكة، ثم الحسم الصريح الذي أعلنته مؤسسة دستورية بخصوص عدم قانونية تشييد الجدار داخل الطابق السفلي، تفاجأ المواطنون بإقدام المستثمر المعني على إغلاق القيسارية ورفع الجدار المتنازع عليه، في خطوة اعتُبرت تحدياً واضحاً لمقررات الإدارة ولمبدأ احترام الملك العمومي.
.
ان الاشكال هنا بصفة عامة يدخل في إطار تقييد حق المواطنين في المرور، وإغلاق معبر حضري يشكل شرياناً أساسياً للحركة اليومية، دون تقديم أي توضيح رسمي للرأي العام حول الأساس القانوني الذي يبرر هذا الإجراء.
ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان ملف “الفردوس” الذي عاشته مدينة خريبكة في سنوات سابقة، حين تم إغلاق عدد من الممرات السفلية في إطار مشروع عمراني لم يُستكمل وفق تصميمه الأولي، والذي كان ينص صراحة على الإبقاء على الممرات العمومية مفتوحة. آنذاك، أثار الموضوع جدلاً واسعاً ومسّ بحقوق المواطنين في الولوج والتنقل، قبل أن يحظى بتدخل ملكي أعاد الأمور إلى نصابها، وكرّس مبدأ أن المجال العمومي خط أحمر لا يجوز المساس به.
إن استحضار هذه السابقة لا يندرج في باب المقارنة العشوائية، بل يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل يعقل أن تعود المدينة إلى نفس الإشكالات، بنفس المنطق، رغم الدروس التي كان يفترض استخلاصها من ملف سابق استدعى أعلى مستويات التدخل؟
هذا الوضع يطرح تساؤلات مشروعة: كيف يُغلق ممر عمومي رغم وضوح المقررات الإدارية ؟ وأي دور للمجلس الجماعي في حماية الفضاءات العمومية، علماً أن رئيسه سبق أن أكد أن المعني بالأمر لا يتوفر على أي حق قانوني لبناء هذا الجدار؟
إن ما يحدث في قيسارية الرافا لا يمس طرفاً بعينه، بل يطال حق المواطنين في استعمال المجال العام، ويهدد بتكريس منطق فرض الأمر الواقع، في مدينة سبق أن دفعت ثمن التهاون في حماية ممراتها العمومية.
وأمام هذا الوضع، يظل تدخل وزارة الداخلية عبر إيفاد لجنة خاصة للتدقيق في الملف، واستحضار سوابق المدينة، وترتيب المسؤوليات، وتوضيح الحقيقة للرأي العام، خطوة ضرورية لتفادي تكرار أخطاء الماضي، وضمان احترام القانون وحماية حق المرور.
وما يزيد هذا الملف تعقيداً، هو الحديث المتداول عن لجوء المستثمر المعني إلى تسويات مالية مع بعض تجار القيسارية، في محاولة لاحتواء الاعتراضات المرتبطة بإغلاق الممر. غير أن هذا المعطى، إن صح، لا يغير من جوهر الإشكال شيئاً، لأن حق المرور ليس ملكاً للتجار ولا يخضع لمنطق التراضي أو التعويض، بل هو حق عام تكفله القوانين المنظمة للملك العمومي، ولا يجوز التنازل عنه أو التفاوض بشأنه خارج المساطر القانونية الواضحة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان القانون يضمن صراحة حق العموم في المرور، ويؤكد عدم قانونية إغلاق الممر، فلماذا يتم الالتفاف على هذا المبدأ عبر حلول مالية جزئية؟ ولماذا يُفتح باب “التراضي” مع أطراف لا تملك أصلاً سلطة التصرف في ممر عمومي؟ أليس في ذلك إقرار ضمني بعدم وجود سند قانوني، ومحاولة لفرض الأمر الواقع بوسائل غير مؤسساتية؟
إن خطورة هذا المنحى لا تكمن فقط في إغلاق ممر بعينه، بل في تكريس سابقة مفادها أن الحقوق الجماعية يمكن تحييدها بتفاهمات خاصة، وهو منطق يتعارض مع أسس دولة القانون، ويفرغ القرارات الإدارية ويفتح الباب أمام فوضى عمرانية وقانونية سبق للمدينة أن دفعت ثمنها في تجارب سابقة.



















سبحان الله أضيف إغلاق المجال العام ،إلى إغلاق الشوارع ومصادرة الأرصفة من طرف الباعة وسلع التجار …
هل هناك سلطة تراقب؟ ،أم أن اصحاب المال فوق القوانين …
مداخل مركب الجحيم الذي سمي ( فردوس ظلما) لازالت في الأذهان