في تصريحٍ لافت، وضع فتحي جمال إصبعه على جوهر الإشكال الذي يعتري المنظومة الكروية الوطنية، حين قال: “المواهب موجودة في كل المدن المغربية، ما خاصناش نخلقوها… خاص غير اللي يمشي يقلب عليها ويعطيها الفرصة.”
كلمات موجزة، لكنها تختزل واقعًا معقّدًا، حيث لا تكمن الأزمة في ندرة المواهب،وإنما في غياب آليات فعّالة لاكتشافها ومواكبتها.
لقد أثبتت التجارب المتتالية أن المغرب يزخر بطاقات كروية هائلة، تتفجر يوميًا في الأحياء الشعبية، وعلى الملاعب الترابية، وفي بطولات القرب التي لا تحظى بأي تغطية أو اهتمام مؤسساتي يُذكر. هناك، حيث يولد الشغف الحقيقي، تنمو مواهب خام تنتظر من يمدّ لها يد العناية والتأطير. غير أن هذه الكنوز البشرية تظل في كثير من الأحيان حبيسة الإهمال، تضيع في صمت، أو تنطفئ قبل أن ترى النور.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن في التكوين فحسب، وإنما يبدأ قبل ذلك، عند مرحلة التنقيب، التي تظل الحلقة الأضعف في سلسلة تطوير كرة القدم الوطنية. فغياب شبكة منظمة للكشافين، وضعف برامج التتبع، وغياب رؤية استراتيجية شاملة، كلها عوامل تُسهم في هدر طاقات كان يمكن أن تشكل رافدًا أساسيًا للكرة المغربية.
ولعل المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض هذه المواهب لا تجد طريقها إلى التألق إلا بعد الهجرة أو الصدفة، في حين كان الأجدر أن تُحتضن داخل منظومة وطنية قادرة على صقلها وتوجيهها. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات الحالية، ومدى قدرتها على تحقيق العدالة المجالية في اكتشاف اللاعبين، بعيدًا عن منطق الانتقائية أو الحظ.
إن الاستثمار الحقيقي في كرة القدم لا يقتصر على بناء الملاعب أو إنشاء الأكاديميات، وإنما يتطلب قبل كل شيء إرساء ثقافة رياضية قائمة على البحث، والاكتشاف، والمواكبة المستمرة. فالموهبة، مهما بلغت، تظل بحاجة إلى من يكتشفها، يؤمن بها، ويمنحها الفرصة لتُزهر.


















