الصردي وبني كيل… حين يتحول الاختيار إلى دفاع عن ذاكرة المغرب القروي

منذ ساعتين
الصردي وبني كيل… حين يتحول الاختيار إلى دفاع عن ذاكرة المغرب القروي
فتح الله حافظي

لم تكن البطاقة المنشورة في موقع “كلاش بريس” حول أفضل سلالات الأغنام في المغرب مجرد مساحة لاختيار عابر أو تفضيل مرتبط بالذوق الشخصي، بل كانت بالنسبة إلي مناسبة لاستعادة جزء عميق من ذاكرة المغرب القروي، ذلك المغرب الذي تشكل عبر قرون طويلة من العلاقة المعقدة بين الإنسان والأرض والمناخ والرعي والعيش الجماعي داخل البادية. لذلك، حين اخترت الصردي في المرتبة الأولى، وبني كيل في المرتبة الثانية، لم يكن اختياري قائما فقط على شكل السلالة أو جودة لحمها أو قيمتها التجارية، بل كان اختيارا ينطلق من رمزية كل سلالة وما تختزنه من تاريخ اجتماعي وثقافي يعكس وجها من وجوه المغرب العميق.
أعتقد،مع الكثير من المجازفة، أن الأغنام في المغرب لم تكن يوما مجرد نشاط اقتصادي محدود أو ثروة حيوانية معزولة عن محيطها الاجتماعي، بل كانت جزءا من بنية كاملة تشكلت حولها أنماط عيش وأسواق ومواسم وعلاقات بشرية متشابكة. في البادية المغربية، كان القطيع يمثل الأمان والاستقرار والمكانة الاجتماعية، وكانت السلالات المحلية تحمل ملامح الجغرافيا التي نشأت فيها، كما تحمل طباع الناس الذين عاشوا وسط شروط طبيعية مختلفة بين السهول الخصبة والهضاب القاسية والمناطق الجافة.
من هنا جاء اختياري للصردي في المرتبة الأولى. فهذه السلالة لم تعد مجرد نوع من الأغنام بقدر ما تحولت، مع الزمن، إلى رمز راسخ داخل المخيال الشعبي المغربي. خلال مواسم عيد الأضحى خصوصا، يصبح الصردي أكثر من مجرد أضحية؛ يتحول إلى علامة اجتماعية تختلط فيها الرغبة الدينية بمنطق التفاخر وإثبات المكانة داخل المجتمع. كثير من الأسر المغربية تسعى إلى اقتنائه حتى في ظل الأزمات الاقتصادية وغلاء المعيشة، وكأن الكبش صار في بعض الأحيان معيارا رمزيا للمكانة الاجتماعية أكثر مما هو شعيرة دينية مرتبطة بقيم التضامن والتقاسم.
وقد ارتبطت هذه السلالة تاريخيا بمناطق الشاوية ودكالة وأولاد عبدون والمناطق المجاورة لها، حيث ساعدت المراعي الخصبة ووفرة الكلأ على انتشارها واكتسابها شهرتها الواسعة. كما أن شكلها المميز، ببياض صوفها الناصع والسواد الذي يحيط بالرأس والعينين والأنف والأذنين وأسفل القوائم، منحها حضورا قويا داخل الأسواق والمواسم الفلاحية. وإلى جانب قوتها الجسدية وضخامتها، ساهمت الثقافة الشعبية والأسواق الموسمية في تحويل الصردي إلى ما يشبه “النجم الفلاحي” داخل المخيال المغربي.
غير أن هذه الصورة البراقة تخفي خلفها واقعا قاسيا يعيشه الكساب الصغير في المغرب القروي. ففي كل موسم ترتفع الأسعار بشكل جنوني، وتتحول الأضحية إلى مجال للمضاربة والربح السريع، بينما يجد الفلاح البسيط نفسه محاصرا بغلاء الأعلاف وندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف وهيمنة الوسطاء والسماسرة والشناقة على الأسواق. وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات العالم القروي المغربي: فالذي يحافظ فعليا على الثروة الحيوانية وعلى استمرارية هذا التراث هو نفسه الذي يبقى الأقل استفادة داخل دورة اقتصادية يسيطر عليها منطق الريع والاحتكار والتفرقيش .
إن السياسات الفلاحية الكبرى، التي كثيرا ما انحازت إلى كبار المستثمرين ومنطق الربح السريع والتصدير، ساهمت في تعميق هشاشة الفلاحين الصغار والكسابة الذين يشكلون العمود الفقري الحقيقي للعالم القروي. لذلك يصبح الصردي، رغم رمزيته وجماله، شاهدا على تفاوتات اجتماعية عميقة تكشف اختلال العلاقة بين المنتج الحقيقي والسوق التي تتحكم فيها شبكات السمسرة والاحتكار.
أما اختياري لبني كيل في المرتبة الثانية، فهو اختيار يحمل تقديرا كبيرا لسلالة صنعتها الطبيعة القاسية أكثر مما صنعتها الوفرة. فإذا كان الصردي ابن السهول والأسواق الصاخبة، فإن بني كيل ابن الشرق المغربي المهمش، ابن الهضاب الجافة والبرد القارس والرياح العنيفة التي فرضت على الإنسان والحيوان معا شروطا صعبة للبقاء.
في تلك المناطق الشرقية البعيدة عن مركز التنمية، تعلم الناس كيف يصنعون الحياة من الندرة، وكيف يحولون القسوة الطبيعية إلى قدرة على الصمود. ومن داخل هذه البيئة تشكلت سلالة بني كيل، القادرة على تحمل الجفاف وقلة الكلأ وطول مسافات الرعي. لذلك اكتسبت هذه السلالة مكانة خاصة لدى الكسابة الذين يعرفون معنى العيش في البيئات القاسية، حيث يصبح الصبر شرطا للاستمرار.
ولا تبرز قيمة بني كيل فقط في قدرته على التأقلم، بل أيضا في جودة لحمه التي ترتبط بطبيعة المراعي الشرقية. فالأغنام التي تتغذى على الأعشاب البرية والنباتات الطبيعية وسط الهضاب الجافة تكتسب نكهة خاصة تحمل رائحة الزعتر البري والأرض العطشى والنباتات القاسية التي تنمو بصعوبة في المناخ الجاف. ولهذا يعتبر كثير من الذواقين أن لحم بني كيل من أطيب اللحوم البلدية في المغرب، لأنه يحتفظ بطعمه الطبيعي بعيدا عن منطق التسمين الاصطناعي المفرط.
غير أن الحديث عن بني كيل يقود أيضا إلى الحديث عن مغرب ظل طويلا على هامش التنمية، حيث تواجه مناطق بأكملها العزلة والتهميش وضعف البنيات التحتية والتصحر المتزايد. هناك يصبح القطيع أكثر من مجرد مورد اقتصادي؛ يصبح وسيلة للبقاء في مواجهة الفقر وقسوة الطبيعة والإقصاء التنموي.
بين الصردي وبني كيل تتجسد صورة المغرب بكل تناقضاته. الأول يعكس وفرة السهول وهيمنة السوق والرمزية الاجتماعية المرتبطة بالاستهلاك والمظهر، بينما يجسد الثاني ثقافة الصمود والتأقلم مع القسوة الطبيعية والهامش المنسي. ومع ذلك، فهما معا يشكلان جزءا من ثروة وطنية حقيقية، ليس فقط اقتصاديا، بل ثقافيا وبيئيا وتاريخيا أيضا.
واليوم، في ظل تفاقم الجفاف والتحولات المناخية وتراجع المراعي الطبيعية، تبدو السلالات المحلية مهددة أكثر من أي وقت مضى. فسياسات الاستيراد العشوائي ومنطق الإنتاج السريع والبحث المحموم عن الربح قد تدفع نحو إضعاف السلالات الأصيلة لصالح نماذج هجينة تفتقد إلى القيمة التراثية والبيئية التي راكمتها السلالات المحلية عبر قرون طويلة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اختفاء بعض السلالات، بل في ضياع ذاكرة جماعية كاملة ارتبطت بها ثقافة الرعي وحياة البادية وتجارب الإنسان المغربي في مواجهة الطبيعة. فحين تنهار السلالات المحلية، ينهار معها جزء من التاريخ الاجتماعي للمغرب القروي، وتضيع خبرات طويلة راكمها الكسابة والفلاحون عبر الأجيال.
لذلك فإن الدفاع عن الصردي وبني كيل، وعن باقي السلالات المحلية، ليس دفاعا عن الحيوان فقط، بل هو دفاع عن المغرب القروي نفسه، عن تنوعه البيئي والثقافي، وعن حق الفلاحين الصغار والكسابة في العيش الكريم داخل اقتصاد عادل لا يحولهم إلى مجرد ضحايا لمنطق السوق والاحتكار.
فالأوطان لا تحفظ فقط في الخطب الرسمية والوثائق الكبرى، بل تحفظ أيضا في المراعي الممتدة عند أطراف القرى، وفي وقع أجراس القطعان العائدة مع الغروب، وفي ذاكرة الكسابين الذين يعرفون أسماء الرياح واتجاهات المطر ورائحة الأرض أكثر مما يعرفون لغة الأرقام وتقارير السياسات الباردة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة