كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات: تناسل الفضائح… حين يعجز العقاب عن ردع “منطق الهومزة

منذ ساعتين
كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات: تناسل الفضائح… حين يعجز العقاب عن ردع “منطق الهومزة

بقلم / فتح الله حافظي

في كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، التابعة لـ جامعة الحسن الأول ، لم يعد الحديث عن اختلالات مجرد فصول متباعدة، بل صار، في نظر كثيرين، سلسلة تتناسل حلقاتها بشكل مقلق منذ سنة 20١4. الأخطر أن بعض هذه الملفات لم يقف عند حدود الجدل، بل امتد إلى متابعات انتهت بالسجن، أو قرارات بالعزل، أو إعفاءات من مهام،وأخرى ما زالت رائجة أمام المحاكم، أو قيد التحقيق. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا المسار الردعي، على أهميته، قد وضع حدًا للظاهرة.
هنا يبرز السؤال المؤلم: ماذا يحدث حين لا يكفي العقاب لردع التكرار؟ حين تتحول كل واقعة إلى صدمة مؤقتة، سرعان ما تخبو، لتفسح المجال لواقعة أخرى؟ نحن أمام مفارقة صعبة: إجراءات تُتخذ، وأحكام تصدر، لكن الإحساس العام هو أن المنظومة نفسها ما تزال تنتج نفس الأعطاب.
من زاوية أخرى يمكن القول إن المشكلة تتجاوز الأفراد إلى البنية. فحين يهيمن “منطق الهومزة”—ذلك الذي يرى في الموقع فرصة للامتياز لا مسؤولية—تصبح العقوبات أشبه بعلاج للأعراض لا للمرض. يتم إبعاد شخص أو معاقبته، لكن الشروط التي سمحت بحدوث التجاوز تظل قائمة: هشاشة في آليات المراقبة، ضعف في الشفافية، وغياب بيئة تحمي النزاهة بشكل فعلي، وانعدام ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن تناسل الفضائح لا يعني فقط تكرار الأفعال، بل يكشف عن خلل أعمق في منظومة القيم. فلو كانت المحاسبة وحدها كافية، لكان من المفترض أن تتراجع هذه الظواهر. لكن استمرارها—رغم السجن والعزل والإعفاء—يوحي بأن الردع القانوني، رغم ضرورته، لا يكتمل دون إصلاح مؤسساتي يعيد بناء الثقة من جذورها.
الأثر الأخطر يطال الطلبة. حين يسمعون عن هذه القضايا، ويرون أنها تتكرر رغم كل شيء، يتسلل الشك: هل النجاح دائمًا نتيجة استحقاق؟ أم أن هناك مسارات أخرى تشتغل في الظل؟ وهنا، لا تُضرب فقط سمعة مؤسسة، بل تُهز فكرة الجامعة ككل.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات في هذه الصورة وحدها. داخلها أيضًا من يقاوم هذا الانزلاق يوميًا، من أساتذة وطلبة يؤمنون بأن المعرفة لا تُختزل في البحث عن”الهموز ” بمختلف أشكالها وأنواعها، ولا تختزل كذلك في النقط مقابل المال أو الجنس، وأن الجامعة يجب أن تظل فضاء للعدل لا للغنيمة. لكن هؤلاء يحتاجون إلى بيئة تحميهم، لا إلى واقع يضعهم في مواجهة مستمرة مع اختلالات متكررة.
المطلوب اليوم ليس فقط الاستمرار في المحاسبة، بل الانتقال إلى ما هو أعمق: بناء منظومة شفافة، تقوية آليات الرقابة المستقلة، حماية المبلّغين، وإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل من النزاهة قاعدة لا استثناء. دون ذلك، سيظل “منطق الهومزة” يجد طريقه، وستظل الفضائح تتناسل، مهما تعددت العقوبات.
ويبقى السؤال معلقًا بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: كم من قضية أخرى نحتاج قبل أن نقتنع بأن الخلل ليس في الأفراد فقط، بل في الشروط التي تُنتجهم؟ وأخيرا متى تسترجع “نويويرة” سطات أيامها المتوهجة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة