في غمرة المونديال… أعاد المغرب الفاسي للبطولة نبضها

11 يوليو 2026
في غمرة المونديال… أعاد المغرب الفاسي للبطولة نبضها

بقلم / فتح الله حافظي

وسط طوفان أخبار المونديال، جاءني تذكير من العزيز الدكتور عبد الحليم بلغيتي( أبو عمار )، الريصاني الجذور، الناضوري المولد، الفاسي الانتماء ، و”الماصاوي ” الهوى، بأن هناك في البطولة الوطنية حكاية أخرى كانت تستحق أن تروى. وكان محقا. ففي خضم انشغال العالم بما يجري في الملاعب الكبرى، عاد المغرب الفاسي بطلا للمغرب بعد واحد وأربعين عاما من الانتظار، دون أن ينال هذا الإنجاز ما يستحقه من اهتمام.

قد يبدو الأمر للبعض مجرد لقب محلي جاء في توقيت لم يخدمه إعلاميا، لكن الحقيقة أن ما حدث في فاس يتجاوز كثيرا حدود منصة التتويج. لقد انتصر مشروع على الضجيج، والعمل المتدرج على ثقافة النتائج السريعة، والصبر على منطق الاستعجال الذي أصبح يحكم كرة القدم. وفي زمن أصبحت فيه الألقاب تقاس بحجم الميزانيات أكثر مما تقاس بجودة المشاريع، جاء “الماص” ليؤكد أن كرة القدم لا تزال تنصف من يحسن البناء.

جيل كامل من أنصار “الماص” ولد وكبر وهو يسمع عن لقب 1985، الذي تحقق تحت قيادة المدرب الراحل بوشعيب الغالمي، أكثر مما عاشه. كبر على حكايات ذلك الجيل الذهبي، وعلى صور الأبطال التي زينت المقاهي والبيوت، وعلى روايات الآباء الذين كانوا يتحدثون عن ذلك اللقب وكأنه حدث بالأمس. وانتظر أكثر من أربعة عقود حتى يرى فريقه يعود إلى منصة التتويج. أربعة عقود تغير فيها كل شيء… إلا عشق الفاسيين للمغرب الفاسي.

ولذلك، فإن هذا التتويج لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مفاجأة، بل باعتباره ثمرة عمل متواصل، واستقرار إداري وتقني، وقدرة على تدبير موسم طويل بأقل قدر من الأخطاء. ففي البطولات الطويلة لا يتوج من يقدم أفضل مباراة، بل من يحافظ على توازنه من الجولة الأولى إلى صافرة النهاية.

ولعل أجمل ما في هذا اللقب أنه يعيد إلى البطولة المغربية جزءا من روحها. فالدوري الذي تتعدد فيه هوية البطل، وتتنافس فيه أندية من مدارس ومدن مختلفة، يزداد قوة وإثارة. أما احتكار الألقاب، فلا يخدم سوى الرتابة، لأن قيمة البطولة في تنوع أبطالها، لا في ثبات بطلها.

وإذا كان المغرب الفاسي قد احتفل بدرع البطولة، فإن كرة القدم المغربية كلها ربحت عودة أحد أعرق أنديتها إلى الواجهة. فالفرق الكبيرة ليست مجرد أرقام في سجل البطولات، بل ذاكرة مدن، وهوية جماهير، ومدارس كروية صنعت تاريخ اللعبة في بلادنا.

غير أن هذا اللقب، على أهميته، ليس سوى بداية مرحلة جديدة. فالمغرب الفاسي سيعود الموسم المقبل إلى دوري أبطال إفريقيا، وهناك سيكون أمام امتحان من نوع آخر. فالمنافسة القارية لا تعترف بالأمجاد الماضية، بل بما يقدمه الفريق فوق أرضية الميدان. وسيكون التحدي الحقيقي هو تحويل هذا اللقب إلى مشروع رياضي مستدام، يجعل من “الماص” منافسا قاريا، لا مجرد ضيف على البطولة.

وسط صخب المونديال، مر تتويج المغرب الفاسي بهدوء. لكن بعض الإنجازات لا تحتاج إلى ضجيج حتى تصنع أثرها، لأنها تكتب نفسها في ذاكرة الناس. وما حققه “الماص” هذا الموسم لم يكن مجرد لقب يضاف إلى خزائنه، بل استعادة لجزء من ذاكرة الكرة المغربية، ورسالة تقول إن الأندية العريقة قد تغيب طويلا، لكنها لا تفقد أبدا القدرة على العودة، متى وجدت من يؤمن بها ويعمل من أجلها.

صورة من الذاكرة:

.

التقطت هذه الصورة ليلة 27/28 يوليوز 1985 بأحد مراكز الاصطياف بمدينة الدار البيضاء، خلال الحفل الذي أقيم على شرف أبطال المغرب الفاسي عقب تتويجهم بلقب بطولة المغرب. ويظهر فيها، من اليسار إلى اليمين، المدرب الراحل بوشعيب الغالمي، ثم كاتب هذه السطور، وإلى جانبه الزميلان الصحفيان مبارك عمر سعيد، رئيس تحرير جريدة الصقر القطرية آنذاك، وفيصل قراف، رئيس القسم الرياضي بجريدة العلم.
وفي اليوم الموالي، عاش المغاربة فرحة أخرى بتأهل المنتخب الوطني إلى مونديال المكسيك 1986 بعد تجاوزه المنتخب المصري. كان أسبوعا استثنائيا لكرة القدم المغربية؛ فرحة لفاس بلقب البطولة، وفرحة للمغرب ببطاقة العبور إلى كأس العالم. وبعد واحد وأربعين عاما، عاد المغرب الفاسي إلى منصة التتويج، لتبقى هذه الصورة شاهدة على زمن جميل، وعلى ذاكرة لا يطويها النسيان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.