تصريح محمد شوكي في برنامج “ساعة الصراحة” بدا، في ظاهره، محاولة لتأطير النقاش حول أزمة سوق الأضاحي داخل مقاربة اقتصادية شاملة، لكنه في العمق كشف مرة أخرى عن نمط مألوف في الخطاب السياسي المغربي: كثرة التوصيف، وندرة الجواب المباشر.
فالحديث عن العرض والطلب، وعن “البنية الفلاحية”، و”تأثير الجفاف وكوفيد”، و”ارتفاع الأعلاف والطاقة”، ثم ختمها بـ”اليد الخفية للسوق”، يمنح انطباعاً بأننا أمام درس في الاقتصاد الكلي أكثر مما نحن أمام مساءلة سياسية لواقع اجتماعي يعيشه المواطن بشكل يومي وملموس. غير أن السؤال البسيط الذي يتكرر خارج الاستوديوهات: لماذا وصل سعر الأضحية إلى مستويات غير مسبوقة؟ يظل بلا جواب واضح وسط هذا التكديس المفاهيمي.
اللافت في التصريح ليس ما قيل فقط، بل ما تم تفاديه بدقة. فلا أرقام دقيقة، ولا تفكيك لمسؤولية السياسات العمومية في دعم القطيع، ولا تقييم صريح لبرامج تدبير السوق، ولا حتى محاولة مقاربة مكامن الخلل في سلاسل التوزيع أو آليات المضاربة. بدل ذلك، يتم تقديم “السوق” ككائن مستقل يتحرك بقوانينه الخاصة، وكأن الفاعلين السياسيين مجرد متفرجين على مشهد اقتصادي لا يملكون فيه أدوات التأثير.
الحديث عن “الإقبال الكبير للمغاربة على الأضحية” كعامل ضغط، يبدو بدوره تبسيطاً مريحاً أكثر منه تفسيراً علمياً. فالمجتمع لم يكتشف فجأة هذا الإقبال، بل هو ثابت ثقافي وديني معروف، كان يفترض أن يقابله تخطيط استباقي في الإنتاج والتوزيع، لا أن يتحول إلى مبرر ضمني لارتفاع الأسعار أو اختلال التوازن.
ثم إن الإشارة إلى الوسطاء ودورهم في “انسيابية السوق” جاءت أقرب إلى تبرير ضمني لواقع المضاربة، بدل مساءلته. وهو ما يعزز الانطباع بأن الخطاب لا يذهب نحو جوهر المشكلة، بل يلتف حولها بحذر شديد، تفادياً لأي اصطدام سياسي أو تحمل مباشر للمسؤولية.
أما الإحالة المتكررة على “اليد الخفية للسوق”، فهي تبدو هنا أقرب إلى قفاز لغوي ناعم يُستخدم لتغطية فراغ التفسير السياسي، أكثر من كونها مفهوماً اقتصادياً في سياقه العلمي. فالسوق لا يتحرك خارج السياسات العمومية، بل داخلها، وتأثره بها جزء من جوهر التدبير الاقتصادي لا هامشه.
في النهاية، يمكن القول إن هذا النوع من التصريحات ينجح في شيء واحد: توسيع مساحة الكلام حول الأزمة دون الاقتراب من قلبها. لكنه في المقابل يفشل في تقديم ما ينتظره المواطن أساساً: جواب واضح، مسؤول، وقابل للقياس حول من يتحمل كلفة هذا الاختلال، ولماذا تُترك السوق أحياناً لتصل إلى هذا المستوى من الضغط دون تدخل فعال.



















