مغرب المتناقضات والفجوات الاجتماعية

5 أغسطس 2026
مغرب المتناقضات والفجوات الاجتماعية

*بقلم أمين عميمي*

ما يعيشه المغرب اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحوّلاً بنيوياً في شكل المجتمع. حيث انتقلنا من مجتمع هرمي تقليدي بقاعدة فقيرة، ووسط كبير، وقمة صغيرة إلى مجتمع على شكل ساعة رملية تحتوي قمة صغيرة مكونة من الاثرياء، وقاعدة واسعة تعاني الفقر والهشاشة، ووسط يتآكل ويتساقط وينجذب نحو الأسفل.
هذه هي المفارقة المغربية مفارقة الثروة والبطالة
تعد الأرقام صادمة ومتناقضة؛ فحسب تقرير Knight Frank للثروة لسنة 2026، بلغ عدد الأفراد الذين تفوق ثرواتهم 30 مليون دولار في المغرب نحو 432 شخصاً سنة 2026 بينما كان 305 فقط خلال سنة 2021 ، أي بنسبة نمو تجاوزت 41% في خمس سنوات فقط. وحتى تكتمل الصورة، يضم المغرب اليوم 7500 مليونير يملكون أكثر من مليون دولار، ليحتل المرتبة الثالثة إفريقياً.
في المقابل، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بلغ 13% خلال 2025 مقابل 13.3% سنة 2024، لكن الرقم يخفي كارثة بنيوية فالبطالة بين الشباب من 15 الى 24 سنة تصل إلى 38.4%، وبين النساء 21.6%، وبين حاملي الشهادات 19%.
هذا هو التراكم غير المتكافئ؛ ذلك أن الثروة لم تعد تنتج من المصنع والوظيفة، بل من المضاربة العقارية والريع. مراكش وحدها تتجاوز نيويورك وموناكو في نمو أسعار العقار الفاخر. وبالتالي الاقتصاد ينتج أغنياء دون أن ينتج وظائف.
إن الطبقة المتوسطة التي كانت بمثابة صمام الأمان والضامن للاستقرار، أصبحت اليوم تعيش تآكلا واحتراقا وذلك حتى قبل موجة الغلاء، بحيث أصبحت هذه الطبقة عاجزة بشكل مزمن عن الادخار بسبب ضعف قوتها الشرائية واعتمادها على التعليم الخاص وارتفاع أسعار العقار. ثم جاء التضخم الذي بلغ 6.6% سنة 2022 و6.1% سنة 2023 ليجهز على ما تبقى، دون إغفال ثقل التكافل على هذه الطبقة.
إننا اليوم أمام معادلة خطيرة وهي وجود فئة تمثل 20% لا تتأثر بتغير الأسعار، وفي المقابل 80% أي الاغلبية والتي تضم الطبقتين المتوسطة والمعوزة تعاني من تداعيات هذا الارتفاع. وبالتالي فالنتيجة هي أن ابن الموظف لم يعد يحلم بأن يكون أفضل من أبيه، بل فقط أن يحافظ على مستواه، حيث اصبح امتلاك سكن حلما عند الكثير.
وهنا تكمن مفارقة السكن حيث الفيلا والبراكة في نفس المجال الترابي، نجد مغرب فيلات كاليفورنيا وبوسكورة والنخيل، بأسوار عالية، وكاميرات مراقبة، ومسابح، حيث ثمن المتر مربع 30 ألف درهم. هذا هو مغرب الـ 432 بورجوازيا.
بينما مغرب البراكة والمتواجد في نفس المدينة حيث يصل عدد الأسر التي تقطن في دور الصفيح حالياً إلى 150 ألف أسرة، بينما بلغ عدد الأسر التي تم إخراجها من البراريك 300 ألف أسرة. بعد 17 سنة و4000 مليار سنتيم من برنامج “مدن بدون صفيح”، في مشهد يمارس عنفا بصريا صادما، فهذا ليس اختلاف سكن، بل فصل عنصري طبقي ومجالي. طفل الفيلا يتعلم السباحة في سن الرابعة، وطفل البراكة يتعلم كيف يتفادى الفيضان والفئران في نفس السن. الأول يرث شبكة علاقات، والثاني يرث وصمة “ولد الكاريان”. المسافة بين الفيلا والبراكة 10 كيلومترات، لكن المسافة الاجتماعية بينهما 10 قرون. هذه المسافة لا تظهر في المجال العمراني بل تمتد تمظهراتها الى مجال الاستهلاك بين عالم الماركات المشهورة وعالم الميخالة حيث تبلغ القسوة ذروتها.
عندما نجد طوابير المتبضعين تنتظر في موروكو مول لاقتناء ماركات Zara وLouis Vuitton وiPhone 16 في استهلاك استعراضي، فعندما نشتري الماركة فإننا نشتري الهوية هوية الثراء والبرجوازية والتميز؛ وعلى بعد أمتار، يمر “الميخالة” أو “البوعارة” أو “الهباشة” بأثواب رثة وبالية وأياد خشنة تنبش في القمامة وتقلب محتوياتها، ينقبون دون كلل أو ملل عن كل ما يعاد بيعه، يبحثون عن الزجاج والقطع المعدنية وبقايا الأكل ورغيف الخبز اليابس، يبحثون عن مورد رزق، في صورة وصفت بأنها مشينة ولا تحفظ كرامة الإنسان.
القارورة التي يُعتر عليها لها حياتان، يشربها الغني بـ 20 درهماً ويرميها، ويبيعها الميخالي بـ 20 سنتيماً ليشتري خبزاً. الأول يمارس استهلاك الترف، والثاني يمارس استهلاك البقاء. الغني يتبضع ليعيش، والفقير ينبش في قمامة الغني لينجو. هذا هو العنف الاستهلاكي في أبشع صوره.
بعيدا عن السكن والاستهلاك نجد مفارقة رمزية اخرى فالمغرب يحتل المركز السادس في الكرة والمركز 154 في التعليم؛ في الكرة، قفزة تاريخية لأسود الأطلس بارتقائهم إلى المركز السادس عالمياً لأول مرة في تاريخهم، بعدما كان المركز السابع هو الأفضل منذ 1993؛ وفي التعليم، صنف تقرير PISA المغرب في الرتبة 75 من أصل 79 دولة، ولمزيد من الدقة احتل المغرب المركز 71 في الرياضيات و79 في القراءة و76 في العلوم، بل إن بعض التصنيفات تضعه في المرتبة 154 عالمياً من أصل 195 دول، أي أننا نجحنا في الاستثمار في الرأسمال الجسدي (أكاديمية محمد السادس لكرة القدم) وفشلنا في الاستثمار في الرأسمال المعرفي (المدرسة العمومية). فالكرة تقدم للشاب نموذجاً واضحاً للمصعد الاجتماعي حيث يمكن لطفل من سيدي مومن أن يصبح أشرف حكيمي؛ بينما المدرسة لم تعد تسمح بحلم والارتقاء الاجتماعي.
لهذا نفرح بجنون بهدف في المونديال، لأنه التعويض الرمزي الوحيد لهزائمنا اليومية في قاعات الانتظار بالمستشفيات، وفي السوق، وفي المدرسة.
في الحقيقة الفقر ليس هو المشكل ، بل الإحساس بالظلم المقارن. أن ترى فيلا وبراكة في نفس الشارع، ومول وميخالة عند نفس الحاوية، هذا ما يولد الاغتراب.
إن الحل في نظري لا يكمن في تقديم الصدقات، بل في إعادة تشغيل المصعد الاجتماعي الذي حول البراكة الى فيلا في الستينات من خلال المدرسة العمومية؛ وإلا سنبقى بلداً يبني أفخم الفيلات والملاعب العالمية وأكبر عدد من البراريك، ويستورد الماركات العالمية ويصدر الميخالة، ويصفق لمنتخب في المركز السادس بأقدام تلاميذ في المركز 79 في القراءة.
مغرب يحلم أبنائه بعبور الحدود للبحث عن مستقبل واعد بينما أغنيائه يعبرون نفس الحدود لقضاء العطلة الصيفية في أفخم القنادق والشاليهات، هنا تظهر قمة التناقضات وقسوتها في آن واحد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.