تأتي الزيارة الميدانية التي يقوم بها العاهل الإسباني فيليب السادس برفقة الملكة ليتيزيا إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين محاولة متأخرة لفرض واقع سياسي مزيف واحتواء أزمات مدريد الداخلية المتراكمة على حساب قضايا السيادة والكرامة الإقليمية. إ
ن هذه التحركات الرمزية العابرة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغطي على حقيقة تاريخية وجغرافية راسخة تؤكد أن سبتة ومليلية هما مدينتان مغربيتان لا تقبلان التنازل أو التقادم، مهما بلغت محاولات ترسيخ الاستعمار أو الهروب الأمامي نحو الأزمات المفتوحة.
فالتاريخ يثبت جذورهما العميقة في التراب المغربي، والجغرافيا تقطع دابر أي محاولة لفصلهما عن محيطهما الطبيعي، وتبقى السيادة الحقيقية لمن يملك الأرض والتاريخ وليست لمن يفرض عليها زيارات استعراضية عابرة أو يرفع فيها شعارات زائفة للتضامن
.
محاولات إسبانيا المتكررة للالتفاف على أزماتها المتعاقبة، بدءاً من تدبير ملف الهجرة المفتعل وصولاً إلى محاولات استعراض العضلات الدبلوماسية عبر هذه الزيارات، تكشف عن تخبط سياسي يعكس عجز مدريد عن مواجهة الحقائق الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
فحين يعجز الساسة عن إيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم الهيكلية، يلجؤون إلى سينمائية الزيارات الملكية لذر الرماد في العيون، متجاهلين أن لغة التاريخ أقوى من كل البروتوكولات الرسمية وأن دوام الحال من المحال.
ستظل سبتة ومليلية جزءاً لا يتجزأ من الهوية المغربية، وسيأتي اليوم الذي تتبدل فيه موازين القوة وتندثر فيه مثل هذه الزيارات الاستفزازية من الوجود، فلا تجد لها ذكراً حتى على الألسنة، بينما يبقى المغرب راسخاً بثوابته ومتمسكاً بحقوقه التاريخية التي لا تسقط بالتقادم ولا تنال منها مناورات اللحظة العابرة.
وتكشف القراءة المتأنية لهذه الخطوة الاستفزازية عن محاولات إسبانية مكشوفة لاستغلال ملف المدينتين المحتلتين كأداة للتنفيس عن الاحتقان الداخلي ومواجهة ضغوط أزمات الهجرة والحدود التي تعاني منها مدريد.
بكل تاكيد …يسعى الجانب الإسباني من خلال إقحام المؤسسة الملكية في هذه المعادلة إلى إضفاء شرعية مفقودة وتوفير غطاء سياسي ومعنوي لمؤسسات الثغران وهو ما يفضح حالة التوجس المستمر لدى صانع القرار في مدريد من القوة الجيوسياسية المتصاعدة للمغرب وثبات موقفه الدائم تجاه ملف ثغوره المحتلة.
إن الاكتفاء بحلول بروتوكولية استعراضية في مواجهة تحولات إقليمية عميقة يبرز العجز عن تقديم رؤية شجاعة تحترم منطق التاريخ وحسن الجوار، ويتجاهل حقيقة أن الاستمرار في سياسة الأمر الواقع لا يمكنه تغيير طبيعة الأرض أو طمس الهوية التاريخية للمدينتين.
كما تعكس هذه الزيارة ارتباكاً صريحاً في إدارة العلاقات مع الرباط، إذ تسعى مدريد للهروب إلى الأمام واستعراض السيادة الذاتية عبر رسائل موجهة للاستهلاك المحلي الداخلي وللأحزاب اليمينية الإسبانية. غير أن استحضار الخطاب الرمزي وتوظيف مفاهيم التعايش في بيئة محتلة يظلان مجرد غطاء مكشوف لواقع استعماري يتناقض مع منطق الجغرافيا والسيادة الوطنية المغربية. يدرك المغرب جيداً أن الرهان على الوقت والتحولات الجيوستراتيجية الكبرى كفيل بإعادة ترتيب الأوراق وضبط الموازين لصالح الحقوق التاريخية المشروعة،













