بالقلم الأحمر: رشيد شرقاب..اعتقال من داخل المحكمة وامتحان لشعار محاربة الفساد

منذ ساعتين
بالقلم الأحمر: رشيد شرقاب..اعتقال من داخل المحكمة وامتحان لشعار محاربة الفساد

فتح الله حافظي

أن يُعتقل البروفيسور رشيد شرقاب من داخل المحكمة، عقب الحكم عليه ابتدائيا بسنة حبسا نافذا، في قضية مرتبطة بتصريحاته وانتقاداته بشأن تدبير مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، فهذه واقعة تستحق أكثر من مجرد خبر عابر. إنها تفتح الباب أمام أسئلة محرجة عن المحاسبة، وحرية إثارة الاختلالات، ومصداقية محاربة الفساد، خصوصا أنها تتزامن مع بداية عهد حكومي جديد جعل هذه المحاربة إحدى أولوياته المعلنة.

لا يتعلق الأمر بالتشكيك في القضاء أو بمنح الطبيب حصانة مهنية، بل بالسؤال عما إذا كانت محاربة الفساد ستتوقف عند المتابعات، أم ستمتد إلى كشف حقيقة الاختلالات المثارة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. فالحكم الابتدائي يحسم مرحلة من المسار القضائي، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بتدبير المرفق العمومي.

ما مآل الشكايات المرتبطة بالاختلالات المحتملة في مستشفى ابن رشد؟ وهل خضعت للتحقيق اللازم؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني ثبوت الاتهامات، لكنه يفرض عدم تركها معلقة. فالمحاسبة لا تستقيم إذا اقتصر الاهتمام على المتابعة القضائية للطرف المبلغ عن الاختلالات المفترضة، اي دون التحقق والتوضيح بخصوص الوقائع التي فجرت الجدل.

لا أحد فوق القانون، لكن القانون لا يُختزل في العقاب. فالمطلوب استحضار مساران متلازمان: محاكمة عادلة تحترم حقوق الدفاع وقرينة البراءة، وتحقيق جدي في الاختلالات المثارة، مع ترتيب المسؤوليات على أساس الأدلة. كما أن حماية التبليغ المسؤول لا تعني منح حصانة لأحد، بل ضمان ألا يتحول كشف الاختلالات إلى مخاطرة بلا حماية.

وهنا يبدأ امتحان الحكومة الجديدة. فهي ليست مطالبة بالتدخل في القضاء، بل بتفعيل الرقابة والتحقيق داخل المرافق العمومية، وضمان ربط المسؤولية بالمحاسبة. فمحاربة الفساد لا تُقاس بعدد الاعتقالات، وإنما بما تكشفه التحقيقات من حقائق، وما تفضي إليه من مساءلة، وما تستعيده من ثقة المواطنين.

إن اعتقال رشيد شرقاب من داخل المحكمة يضع شعار محاربة الفساد أمام اختبار سياسي ومؤسساتي لا تكفي البلاغات الحكومية للإجابة عنه. بالتالي، فالمطلوب هو كشف حقيقة الاختلالات المثارة، واحترام استقلال القضاء، وصون حقوق المتهمين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، دون انتقائية أو أحكام مسبقة.

فإذا كانت محاربة الفساد أولوية فعلية، فلتعطى الأولوية لكشف الحقيقة، لا للاكتفاء بالمتابعات، وللمحاسبة الشاملة، لا الانتقائية، ولحماية القانون، لا توظيف شعاراته.

فالفساد لا يُحارب بالشعارات، والعدالة لا تُختزل في الاعتقالات، ومصداقية الحكومة لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تكشفه من حقائق وما تضمنه من محاسبة عادلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.