الانتخابات المغربية.. حين يصبح العزوف أكبر من الأحزاب

25 أغسطس 2026
الانتخابات المغربية.. حين يصبح العزوف أكبر من الأحزاب

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، لا يقتصر النقاش حول المشهد السياسي المغربي على من سيتصدر النتائج أو أي الأحزاب سيقود الحكومة المقبلة، بل يمتد إلى سؤال أكثر إحراجاً: من يمثل من؟

الأرقام الانتخابية خلال السنوات الأخيرة تكشف مفارقة لافتة؛ فالأحزاب تتنافس على المقاعد داخل البرلمان، بينما تظل كتلة واسعة من المغاربة خارج العملية الانتخابية، سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح أو بسبب عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع.

وتعيد انتخابات 2021 إبراز حجم هذه المفارقة. فعدد المسجلين والمؤهلين للتصويت كان يفوق 25 مليوناً، في حين بلغ عدد المشاركين فعلياً نحو 8.8 ملايين ناخب. وبذلك بقي ملايين المواطنين بعيدين عن اختيار ممثليهم، في مشهد يجعل قوة الامتناع عن التصويت أكبر من أي نتيجة حصل عليها حزب بمفرده.

المسألة لا تتعلق فقط بنسبة المشاركة، وإنما بما تكشفه عن علاقة الناخب بالأحزاب. فالانتقال الحاد في الخريطة البرلمانية بين 2016 و2021، من صعود العدالة والتنمية إلى 125 مقعداً ثم سقوطه إلى 13، مقابل صعود التجمع الوطني للأحرار من 37 إلى 102 مقعد، يعكس بدوره طبيعة متحركة للتصويت، لا تستند دائماً إلى ولاءات حزبية مستقرة.

وفي جزء من المجتمع، يبدو أن صندوق الاقتراع تحول من وسيلة لاختيار مشروع سياسي واضح إلى أداة لمعاقبة حزب ومكافأة آخر. غير أن المشكلة الأعمق تبدأ عندما لا يجد الناخب أصلاً ما يدفعه إلى المشاركة.

فالتقارب بين البرامج الحزبية، وضعف حضور الأحزاب في الحياة اليومية للمواطنين، والنقاشات الداخلية حول الترشيحات والقيادات، كلها عوامل ساهمت في توسيع المسافة بين الناخب والمؤسسة الحزبية.

والأكثر دلالة أن الشباب، الذي يمثل أحد أكثر الفئات حضوراً في النقاش العمومي، لا يبدو غائباً عن السياسة بقدر ما يبدو منفصلاً عن قنواتها التقليدية. فالنقاش السياسي انتقل بدرجة كبيرة إلى مواقع التواصل والمنصات الرقمية، بينما فقدت الأحزاب جزءاً من قدرتها على احتكار التأطير السياسي.

وتتقاطع هذه الظاهرة مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. فالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل تجعل السياسة، بالنسبة إلى فئات واسعة، مرتبطة بمدى قدرتها على تغيير الواقع اليومي، لا بعدد الوعود التي تتضمنها البرامج الانتخابية.

ومع ذلك، لا تعني هذه المؤشرات أن المشاركة السياسية فقدت قيمتها، بل تكشف أن قواعدها تغيرت. فالحضور الرقمي للشباب، وتزايد النقاش العمومي خارج المؤسسات الحزبية، يؤكدان أن الاهتمام بالشأن العام لم ينته، وإنما يبحث عن قنوات جديدة.

وبالتالي، فإن معركة انتخابات 2026 لن تكون فقط حول عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، بل حول عدد المواطنين الذين سيقررون العودة إلى صناديق الاقتراع.

فالحزب الذي قد يحتل المرتبة الأولى في النتائج سيحتاج في النهاية إلى النظر خلف الأرقام: هناك ملايين المواطنين لا تمنحهم صناديق الاقتراع وزناً انتخابياً، لكن عزوفهم يظل أكبر رسالة سياسية في المشهد.
وفي المغرب، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من سيفوز

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.