استعراض مظاهر القوة العمومية والضبط الإداري بين المشروعية الضبط و سوسيولوجية القلق

25 أغسطس 2026
استعراض مظاهر القوة العمومية والضبط الإداري بين المشروعية الضبط و سوسيولوجية القلق
عثمان باقة

مما لا شك فيه أن مهمة حفظ الأمن والنظام العامين تعد من أسمى وظائف الدولة، وهي ركن أساس في عقدها الاجتماعي مع المواطنين، وتتجلى هذه المهمة في تدخلات يومية تقوم بها قوات الشرطة، من دوريات وتمركزات ونقاط تفتيش، تهدف إلى الردع والمراقبة وضمان السير العادي للحياة. غير أن الملاحظ في الآونة الأخيرة، وبصفة خاصة في مدن الرباط وسلا وتمارة، هو تصعيد ملحوظ في وتيرة هذه العمليات، مما يطرح إشكالية قانونية وإدارية تتعلق بمدى التزام هذه الإجراءات بمبدأي المشروعية والتناسب، وهما حجر الزاوية في قانون الضبط الإداري.

أولا: الطبيعة القانونية لنقاط التفتيش والمراقبة

تندرج عمليات نصب نقاط التفتيش، سواء عند مداخل المدن (والتي تجاوز عشرات الشهور في بعض النقط ) أو في مفترقات الطرقات كشارع النخيل بالرباط او تمارة او سلا، ضمن سلطة الضبط الإداري المخولة للسلطة الإدارية ممثلة في الولاة والعمال ورؤساء المصالح الأمنية، وهدفها المعلن هو “الوقاية من الجريمة، وضبط حركة السير، والتأكد من احترام قانون السير “(كإجبارية ارتداء الخوذة وحمل الوثائق). وهذا الهدف مشروع قانونيا، بل هو واجب تكفله المادة 19 من الدستور التي توجب على الدولة توفير الأمن للمواطنين.

غير أن المشروعية لا تقف عند مجرد الإذن بالعملية، بل تمتد لتشمل كيفية تنفيذها. فقانون المسطرة الجنائية والقانون التنظيمي للشرطة يضعان ضوابط للتدخل، من حيث الزمان والمكان والكيفية، بحيث لا يجوز أن تتحول هذه الإجراءات إلى عرف دائم أو ممارسة اعتيادية تعطل حرية التنقل ، خاصة في اوقات عودة الموظفين مساء الى منازلهم متعبين، والتي هي حق مكفول دستوريا (الفصل 23 من الدستور). فالتمركز اليومي والثابت لسيارات الشرطة في تقاطعات حيوية كشارع النخيل او غيره بتمارة او سلا، بشكل يعيق انسيابية المرور ويسبب اختناقا مروريا، يطرح سؤالا حول ما إذا كان هذا التنفيذ يراعي البعد الزمني والمكاني الضروريين، أم أنه أصبح استعراضا للقوة ينقلب على هدفه الأصلي.

ثانيا: مبدأ التناسب وجدلية الضرورة

هنا يبرز المبدأ القانوني الأهم في هذا السياق، وهو مبدأ التناسب. تنص المادة 24 من الدستور على أن الحقوق والحريات الأساسية لا يمكن تقييدها إلا بقانون وبما يكون ضروريا في مجتمع ديمقراطي، وهذا يعني أن أي إجراء مقيد للحرية، كالتوقف عند نقطة تفتيش أو حجز وثيقة، يجب أن يكون:

· ملائما لتحقيق الهدف (الأمن).
· ضروريا، أي أنه لا يوجد بديل أقل تقييدا للحرية يحقق نفس الهدف.
· متناسبا بالمعنى الضيق، أي أن الفائدة المتحققة من التقييد يجب أن تكون أكبر من الضرر الناتج عنه.

فإذا كانت الحملات المتكررة للتأكد من أوراق الدراجات النارية والخوذة مشروعة في جوهرها، فإن تكرارها اليومي وفي نفس الأماكن، إلى جانب نقاط التفتيش الثابتة ليلا ونهارا، قد يفقدها طابعها الاستثنائي ويحولها إلى قاعدة، مما يجعل المواطن يشعر بأنه في حالة استنفار دائم. وهذا التكرار، حسب معايير الفقه الدستوري، يضعف شرط الضرورة، لأن الضرورة تقدر بقدرها؛ فالهدف الأمني لا يتحقق بكثرة الحواجز بقدر ما يتحقق بجودتها وذكائها وتوقيتها.

ثالثا: الأبعاد السوسيولوجية والسياسية للاستعراض المفرط للقوة

من منظور علم الاجتماع السياسي، يقرأ التصعيد في مظاهر القوة الداخلية باعتباره انعكاسا لحالة من التوتر الأمني والسياسي، تغذيها بالأساس راهنية الملف الاجتماعي وتحدياته. فهذه المظاهر، في تصور المسؤولين، تشكل إشارة إلى أن الدولة في حالة يقظة واستعداد لكل الاحتمالات، وأنها تمارس الردع كرسالة موجهة إلى الداخل. غير أن هذه القراءة، رغم مشروعيتها كاستراتيجية تواصلية، سرعان ما يتم تفكيكها واستيعابها من طرف الفاعلين والمجتمع، مما يفقدها فاعليتها الرمزية، وقد يحولها إلى أداة لإنتاج التوتر عوض تهدئته.
وهنا يكمن الخطر الأعمق، وفق دراسات التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب، والتي أظهرت أن الإفراط في منح أعوان السلطة هامشا مفتوحا للتصرف، مع غياب ضوابط رادعة، قد يؤدي إلى انحرافات فردية تصل إلى حد الشطط. فالتاريخ المغربي الحديث يحفل بحالات تركت أثرها في الذاكرة الجماعية، حيث تحولت إجراءات ضبطية إلى انزلاقات أمنية صعبة، بسبب غياب التكوين الكافي في التعامل مع المواطن، أو بسبب تفسيرات خاطئة لمفهوم “القوة” على أنها “قدرة مطلقة” وليس “سلطة مضبوطة”.
هذه الانزلاقات، وإن كانت فردية وقليلة، تظل كفيلة بتشويه صورة المؤسسة، وإعادة إنتاج دائرة من انعدام الثقة، خاصة عندما تتزامن مع أزمات اجتماعية خانقة. فالإدارة العمومية مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإدراك أن إظهار القوة بشكل مفرط غير متناسب أو بغياب التروي، في سياق يموج بالاحتقانات الاجتماعية، قد يتحول إلى شرارة لا تحمد عقباها.
لذا، وتفاديا لكل ما من شأنه أن يتسبب في ما لا تحمد عقباه، ومن باب المسؤولية المواطنة، وحتى لا تنقلب الضرورة إلى ضدها، نقترح على الاقل التواصل المؤسساتي الشفاف مع المواطن، عبر توضيح الأهداف الاستراتيجية للحملات، بدل ترك التأويلات تملأ الفراغ التواصلي، اضافة إلى ابداع انماط اخرى للتواصل المجتمعي، ف “الامن في خدمة المواطن ” و بالتالي في خدمة المجتمع، ولا يجب ان يكون الامن ورجاله في معزل عنه.

خاتمة

إن قوة الدولة ليست في إظهار سلطتها، بل في حكمة استخدامها، والتوازن بين الأمن والحرية هو معيار الدولة القانونية. الممارسات المذكورة، وإن كانت مبنية على نية حسنة في حفظ الأمن، إلا أن استمرارها بهذا الشكل الإفراطي يستدعي مراجعة قانونية دقيقة، لأن الإدارة العصرية هي التي تدرك أن الضبط المفرط يولد الارتباك، وأن اليقين الأمني الحقيقي لا يبنى بعدد الحواجز، بل بثقة المواطن في مؤسساته وبرؤيته لقانونية أفعالها، وبأدائها المهني الذي لا يغفل عن الدروس المستخلصة من سيرورة التاريخ السياسي للدولة، وخير الأمور أوسطها، والضرورة تقدر بقدرها، فما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
والله اعلم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.