قراءة في دلالات تسريب اجتماع المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار

منذ 5 ساعات
قراءة في دلالات تسريب اجتماع المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار
عثمان باقة

في مشهد سياسي اعتاد المغاربة فيه على فضاءات النقاش الخلفية، جاء تسريب تسجيل صوتي لمداخلة رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال اجتماع للمكتب السياسي للحزب يوم الثلاثاء 25 غشت 2026، ليطرح أكثر من سؤال حول أخلاقيات العمل السياسي، وحدود المؤسسات، وطبيعة التحول الديمقراطي في المغرب.

فالتسريب، الذي تضمن هجوما لاذعا على فوزي لقجع، “القيادي الجديد” بحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب في الميزانية، و”تهديدا بحرمانه”من وزارة المالية لصالح نادية فتاح، لم يكن مجرد زلة سياسية عابرة، بل كشف عن أبعاد خطيرة تستوجب وقفة تأمل في ثلاثة مستويات متداخلة.

أولا: انتهاك حرمة المؤسسات الحزبية

لطالما شكلت الاجتماعات الداخلية للأحزاب السياسية فضاء للتداول الحر، حيث يتبادل القياديون الآراء بعيدا عن أعين الإعلام والرأي العام، وذلك لتجسيد مبدأ “حرية التعبير عن المواقف داخل المؤسسات” كما أكد على ذلك محمد شوكي، رئيس الحزب، في تعليقه على التسريب. وهذا الفضاء الخاص هو الذي يمنح الحياة الحزبية ديناميتها ويحمي النقاش الداخلي من التسييس الإعلامي.

غير أن تسريب مداولات المكتب السياسي يحمل أكثر من دلالة:

· أولا، يمثل خرقا أخلاقيا وقانونيا فاضحا لسرية الاجتماعات، التي يفترض أن تظل عصية عن التسريبات.
· ثانيا، يحمل بصمات “أسلوب مخابرات” منظم، إذ أن مثل هذه التسريبات لا تحدث عفوية، بل تحضر بدقة وتطلق في توقيت محدد لتحقيق أغراض سياسية معلنة أو خفية.
· ثالثا، يسقط المصداقية عن النقاش الحزبي الداخلي، ويحوله إلى مادة إعلامية قابلة للاجتزاء والتوظيف، مما يدفع القيادات إلى التكتم بدل التداول الشفاف.
وعندما نقول هذا ، لانه لا يعني ان باقي التنظيمات لاتعرف مثل هذه المسلكيات المشينة، فالبعض يسجل الشادة والفاذة في ذاكرته او غيرها، بل واحيانا يزيد عليها لينقلها الى المعنيين بالأمر، وهم مختلفون من رفاق الى خصوم الى ..أجهزة …

ثانيا: تجاوز للاختصاصات الدستورية

غير أن الأخطر في مضمون التسريب هو ما تضمنه من ادعاء بحسم توزيع الحقائب الوزارية، وتحديدا حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية، قبل إجراء الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

فوفق التسريب، يصرح الطالبي العلمي بأن فوزي لقجع “لن يرى وزارة المالية” وأن الحقيبة “ستبقى لنادية فتاح”. وهذا الكلام، الذي صدر عن رئيس مجلس النواب – أي عن أرفع مسؤول برلماني في البلاد – يمثل تجاوزا دستوريا صريحا للأسباب التالية:

الاختصاص الدستوري صاحب الصلاحية
فتعيين الوزراء من اختصاص الملك ورئيس الحكومة ، وتشكيل الحكومة من اختصاص رئيس الحكومة المعين من طرف الملك، والمشاركة في التحالفات الحكومية نتيجة المفاوضات بعد الانتخابات

فلا رئيس حزب، ولا رئيس مجلس نيابي، ولا أي مسؤول حزبي آخر، يملك صلاحية البت في تشكيلة الحكومة المقبلة أو توزيع حقائبها الوزارية. وهذا الإجراء يندرج ضمن صلاحيات الملك ورئيس الحكومة المستقبلي، اللذين يباشران مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي بعد صدور النتائج الانتخابية.

فكيف لرئيس مجلس النواب منتهية ولايته أن يحسم مصير وزارة المالية قبل أن يدلي الناخبون بأصواتهم؟ هذا السؤال ليس إنشائيا، بل يتعلق بجوهر الشرعية الديمقراطية ذاتها.

ثالثاًد: إفراغ الانتخابات من مضمونها الديمقراطي

التسريب، كما ورد في مضامينه، لا يكتفي بتجاوز الاختصاصات، بل يكشف عن تصور مقلق للعملية الانتخابية، إذ يفيد بأن “الأمور محسومة” و”النتائج خطط لها مسبقا”. وهذا ما يطرح إشكاليات جوهرية:

· إشكالية الشرعية الانتخابية: عندما تحسم نتائج الانتخابات وتوزيع المناصب قبل الاقتراع، تتحول الانتخابات من آلية للتعبير عن الإرادة الشعبية إلى مجرد “طقس صوري” يضفي شرعية على ترتيبات تمت في الغرف المغلقة.
· إشكالية التنافس النزيه: فالممارسات التي يتحدث عنها التسريب، والمتمثلة في استقطاب الكفاءات والمنتخبين بين الأحزاب بأساليب وصفت بـ”الترهيب والترغيب”، تقوض مبدأ تكافؤ الفرص وتحول العمل السياسي إلى سوق للمزايدات.
· إشكالية الثقة في المؤسسات: حين يرى المواطن أن مصير حكومته يُقرر في اجتماعات حزبية مغلقة قبل أن يدلي بصوته، فإن ذلك يُفقد الانتخابات معناها ويُعمق أزمة الثقة في السياسة والمؤسسات.

رابعا: القراءة السوسيولوجية للتسريب

من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة هذا التسريب بوصفه كشفا لبنية السلطة غير الرسمية في المشهد السياسي المغربي. فالمفارقة التي أشار إليها التسريب – وهي أن حزب التجمع الوطني للأحرار ينتقد استقطاب حزب الأصالة والمعاصرة للكوادر، مع أنه سبق له أن اعتمد الأسلوب نفسه – تكشف عن ازدواجية معيارية تطبع العمل السياسي.

كما أن طريقة تناول الملف، من خلال التهديد والوعيد بدل الحوار المؤسساتي، تعكس تحولا في طبيعة الصراع السياسي من صراع برامجي أيديولوجي إلى صراع على المواقع والامتيازات، وهو ما يضعف البعد التداولي للديمقراطية ويُعزز المنطق المحاصصي.

خاتمة: نحو استعادة المصداقية

إن هذا التسريب، في النهاية، هو جرس إنذار للطبقة السياسية المغربية بأكملها. فما وقع فيه حزب التجمع الوطني للأحرار – من تسريب لمداولات مغلقة وتصريحات تتجاوز الاختصاصات الدستورية – ليس مجرد حادثة عابرة، بل انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الممارسة السياسية ومدى احترامها للمؤسسات والدستور والإرادة الشعبية.

ولعل ما صرّح به رئيس الحزب محمد شوكي من “أسفه لتسريب جزء من نقاشات الاجتماع” وتأكيده على أن “المكتب السياسي يشكل فضاءً خاصا للتعبير الحر”، يقر ضمنيا بخطورة ما جرى. لكن الأسف وحده لا يكفي؛ إذ يبقى المطلوب مراجعة جذرية لثقافة التدبير السياسي، واستعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وإعادة الانتخابات إلى جوهرها الحقيقي: كونها تعبيرا عن الإرادة الشعبية، لا غطاء لترتيبات مسبقة.

فالديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد صناديق اقتراع، بل ثقافة تحترم المؤسسات، وتقدس الإرادة الشعبية، وتخضع الجميع – قيادات وأحزابا – لسلطة القانون والدستور.
اما باقي الاحزاب المغربية الاخرى فلن تحرك ساكنا الا اذا طلب منها غير ذلك

ملحق تاريخي:

غير أن قراءة هذا التسريب تظل ناقصة إذا لم نستحضر سياقه التاريخي المرتبط بذاكرة هذا الحزب ذاته. فالمتابعون للشأن السياسي المغربي يذكرون جيدا أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها التجمع الوطني للأحرار موضوع تسجيل أو تنصت. ففي بداية الألفية، وتحديدا خلال الفترة التي عرف فيها المغرب والعديد من دول العالم هجمات إرهابية ، وأثناء أحد اجتماعات مكتبه السياسي، تلقى المسؤول الحزبي الذي كان يترأس الاجتماع اتصالا هاتفيا من جهة لم تحدد، سألته فيها عما كان يقوله بالضبط في تلك اللحظة بالذات، الأمر الذي اربك المسؤول الحزبي، مما أثبت أن خطا مباشرا كان مفتوحا بين الجهة المتصلة ومكان الاجتماع، أو أن أجهزة التنصت كانت مثبتة في مكان الاجتماع وكانت تنقل الكلام في توقيته الحي، لتتدخل وتستفز القيادي إشعارا منه بأنه مرصود لحظة بلحظة.

هذه الواقعة، التي كانت كفيلة بوضع الجميع في حالة تأهب، تحمل دلالات تضع التسريب الحالي في سياقه البنيوي الحقيقي: فالأمر لا يتعلق بحادثة طارئة، بل بـسمة بنيوية في علاقة الدولة بأحزابها، خصوصا ذلك الحزب الذي خرج من “رحم المؤسسة الأمنية” ومن أنابيب وزارة الداخلية، في استعارة مجازية دقيقة تشبهه بـ”طفل الأنابيب” الناتج عن حمل اصطناعي وولادة اصطناعية. غير أن المفارقة الصارخة أن هذه “الدولة الأم”، التي أحضنت ولادته ورعته سياسيا، لا تمنحه الثقة الكافية لممارسة دوره في سرية تامة، بل تظل تراقبه وتترصده، وكأن ثمة يقينا راسخا لديها بأن الجميع يحب ان يكون خاضعا للرقابة، لأن الثقة في السياسي تعني، في التصور المخابراتي، فقدان السيطرة عليه.

وهكذا نجد أن الدولة، ممثلة في أجهزتها، تراقب من لا تثق بهم، وتراقب أيضا من يظنون أنها تثق بهم، بل إن الرقابة تكون أشد حين يتعلق الأمر بأحزاب “السلطة” ذاتها، لأنها الأقرب إلى مراكز القرار الحساسة. هذه السابقة التاريخية، المقترنة بالواقعة الحالية، تفيد بأن غياب الثقة ليس طارئا ولا شخصيا، بل هو منظومة متكاملة تجعل الحياة الحزبية رهينة بإرادات خارجية، وتسقط في النهاية أي حديث عن ديمقراطية حقيقية قائمة على الاستقلالية والتداول الحر، وتبقي المشهد السياسي كله تحت سقف زجاجي لا ترى الأجهزة من خلاله فقط، بل تذكر الحزبيين بين الفينة والأخرى بأنهم مراقبون، ومسجلون، وقابلون للمساءلة خارج أي سياق دستوري أو حزبي.
اقول هذا والله اعلم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.