هناك مقولة متداولة تقول: “المجتمع الذي لا يستطيع وضع القمامة في مكانها المناسب، يعجز عن وضع الأكفاء في أماكن القرار.”
ورغم قسوتها، فإنها تعكس جانبا من واقع الوعي المجتمعي، لأن المواطن الذي لم يتعلم بعد كيف يدبر نفاياته ويحافظ على نظافة محيطه، يصعب أن ننتظر منه وعيا سياسيا ناضجا في اختيار من يمثله.
ومع كل مناسبة عيد أضحى، تتجدد نفس المشاهد في عدد من مدننا وأحيائنا؛ إذ تتحول الشوارع والأرصفة إلى فضاءات عشوائية لعرض مختلف مستلزمات العيد، من الأواني والسكاكين إلى الخضر والفواكه وعلف الأغنام والفحم. ولا يتعلق الأمر فقط بباعة متجولين مؤقتين، بل حتى بعض أصحاب المحلات الذين يمددون تجارتهم فوق الملك العمومي بشكل مستفز، في احتلال واضح للأرصفة والطرقات.
ويوم العيد نفسه، تنتشر مشاهد حرق رؤوس الأضاحي وسط الأزقة، مع ترك بقايا الرماد والمخلفات في عين المكان، بينما تُرمى جلود الأضاحي قرب الحاويات أو بجانبها، فتنبعث الروائح الكريهة وتتكاثر الحشرات والذباب. وكأن المدينة تتحول، في ظرف ساعات، إلى فضاء تغزوه الفوضى والنفايات.
إن المواطن الذي لا يشعر بالمسؤولية تجاه نظافة حيه ومدينته، ولا يحترم الفضاء المشترك، يصعب أن يمتلك حسا مدنيا عاليا يؤهله لحسن الاختيار السياسي. فالعلاقة بين السلوك البيئي والسلوك الانتخابي ليست منفصلة كما قد يعتقد البعض، بل إنهما يعكسان معا مستوى الوعي والانضباط والمسؤولية داخل المجتمع.
وديننا الإسلامي نفسه ربط بين الإيمان والسلوك الحضاري، حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة.” فالحفاظ على نظافة الطريق والحي ليس مجرد تصرف ثانوي، بل قيمة أخلاقية ودينية تعكس احترام الإنسان لنفسه ولمحيطه.
كما أن الأطفال الذين يكبرون وسط مشاهد رمي الأزبال والتطبيع مع الفوضى، سيعتبرون ذلك سلوكا عاديا، وستنعكس هذه التربية مستقبلا على تعاملهم مع بيئتهم، ومع مؤسساتهم، وحتى مع اختياراتهم السياسية. فالقدوة السيئة تنتج سلوكا سيئا، والوعي يبدأ من التفاصيل الصغيرة.
وفي النهاية، فإن من يعجز عن وضع القمامة في مكانها الصحيح، قد يعجز أيضا عن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. لأن احترام الفضاء العام، والوعي بالمسؤولية، وحسن الاختيار، كلها حلقات مترابطة داخل أي مجتمع يسعى إلى التقدم والتحضر



















