حين يصبح التشريع الشعبي ضرورة وطنية ملحة

منذ ساعتين
حين يصبح التشريع الشعبي ضرورة وطنية ملحة
عثمان باقة

لا يمكن قراءة الجدل الدائر حول تعديل مشروع قانون المسطرة الجنائية، وخاصة ما يتعلق بتقييد حق جمعيات المجتمع المدني في التبليغ عن جرائم المال العام وتحريك المتابعات، باعتباره مجرد نقاش تقني أو إجرائي محض. فالأمر في عمقه يتعلق بسؤال سياسي ودستوري وأخلاقي أكبر: من يملك حق مراقبة المال العام؟ وهل مكافحة الفساد اختصاص حصري للدولة وأجهزتها، أم أنها مسؤولية جماعية يشارك فيها المجتمع بكل مكوناته، وعلى رأسها المجتمع المدني؟ اضافة إلى التنظيمات الجادة من أحزاب ونقابات.
لقد أعادت قضية الوزير والبرلماني السابق محمد مبدع طرح هذا السؤال بقوة، بعدما تبين أن الملف انطلق أساسا من شكاية تقدمت بها الجمعية المغربية لحماية المال العام، وهي ليست حالة معزولة، بل تندرج ضمن عشرات الملفات التي خرجت إلى العلن خلال العقدين الأخيرين بفضل يقظة جمعيات مدنية، لعبت دور “النيابة الأخلاقية” عن المجتمع في مواجهة شبكات الفساد ونهب المال العام.
غير أن التعديل المقترح في مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي قدمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يتجه نحو حصر حق التبليغ وتحريك المتابعة في مؤسسات رسمية محددة، مع إقصاء الجمعيات المدنية من تقديم الشكايات المباشرة المتعلقة بجرائم المال العام.
وهنا يبرز الإشكال الحقيقي: لماذا يتم استبعاد المجتمع المدني من معركة يفترض أنها معركة وطنية ضد الفساد؟

أولا: منطق الدولة الحصرية أم منطق الديمقراطية التشاركية؟

ينص دستور 2011 على الديمقراطية التشاركية، وعلى دور المجتمع المدني في المساهمة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية. كما أن الدستور نفسه ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الحكامة الجيدة ومكافحة الفساد من الثوابت الدستورية.
لكن التعديل المقترح يبدو وكأنه يعيد إنتاج تصور قديم للدولة، تعتبر فيه السلطة أن الرقابة شأن داخلي مغلق، وأن المجتمع المدني مجرد متفرج أو فاعل ثانوي لا يحق له الولوج إلى المجال القضائي إلا بإذن ضمني من المؤسسات الرسمية.
والحال أن التجربة المغربية نفسها أثبتت أن عددا مهماًد من ملفات الفساد لم يكن ليصل إلى القضاء لولا شكايات الجمعيات، وضغط الصحافة، والرأي العام، وتسريبات المجتمع المدني، بل إن بعض المؤسسات الرقابية ظلت لسنوات تنتج تقارير ثقيلة دون أن تتحول تلقائيا إلى متابعات قضائية فعلية.
لذلك، فإن تقييد دور الجمعيات لا يمكن عزله عن سؤال الإرادة السياسية في مكافحة الفساد.

ثانيا: هل يتعلق الأمر بحماية المفسدين؟

قد يبدو هذا السؤال صادما، لكنه سؤال مشروع سياسيا وقانونيا.
فعندما يتم تقليص عدد الجهات المخول لها إثارة ملفات الفساد، وحصرها في قنوات رسمية معقدة وبطيئة، فإن النتيجة العملية قد تكون هي تقليص عدد المتابعات نفسها، وإضعاف الرقابة المجتمعية، وخلق نوع من “الاحتكار المؤسساتي” لملفات المال العام.
والأخطر من ذلك أن هذا المنطق قد يبعث رسالة سلبية إلى المجتمع مفادها أن الدولة لا تثق في المجتمع المدني، أو أنها تريد تدجين معركة مكافحة الفساد وجعلها خاضعة فقط لحسابات التوازنات السياسية والإدارية.
إن الديمقراطيات الحديثة لا تخاف من الرقابة المجتمعية، بل تعتبرها آلية تصحيح وتوازن ضرورية. أما الأنظمة التي تضيق على المجتمع المدني في هذا المجال، فإنها غالبا ما تنتهي إلى خلق بيئة آمنة للإفلات من العقاب.
ومن هنا يحق لنا التساؤل: هل نحن أمام رغبة في تنظيم المسطرة فقط؟ أم أمام إعادة هندسة قانونية تجعل الوصول إلى محاسبة المفسدين أكثر صعوبة؟
ثالثا: خطورة تحويل المجتمع إلى مجرد متفرج

إن أخطر ما يمكن أن ينتجه هذا التعديل هو تحويل المواطن من شريك في حماية المال العام و بالتالي حماية المجتمع إلى مجرد متلق للأخبار بعد وقوع الفساد.
فالمال العام ليس ملكا للإدارة وحدها، بل هو ملك للمجتمع. وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون للمجتمع، عبر هيئاته المدنية، حق دق ناقوس الخطر عندما تظهر شبهات التبديد أو الاختلاس أو استغلال النفوذ.
كما أن إقصاء الجمعيات يضرب مبدأ الرقابة الأفقية داخل الدولة والمجتمع، ويجعل مكافحة الفساد رهينة فقط بمدى استعداد المؤسسات للتحرك، في حين أن التجربة الدولية تؤكد أن الفساد غالبا ما يتغذى من تواطؤ الصمت والخوف والبيروقراطية.

رابعا: الحاجة إلى “تشريع شعبي” ضد الفساد

أمام هذا الوضع، لم يعد كافيا الاكتفاء بالنقاش الإعلامي أو بالاحتجاج الظرفي. بل إن اللحظة تقتضي الانتقال نحو ما يمكن تسميته بـ”التشريع الشعبي”؛ أي إطلاق عرائض وطنية واسعة مبادرات مدنية، يوقعها المواطنات والمواطنون للمطالبة بالتراجع عن أي مقتضى قانوني يحد من دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد.
إن الدستور المغربي نفسه يتيح آليات تقديم العرائض والملتمسات التشريعية، لكن هذه الآليات ظلت معطلة أو ضعيفة التفعيل. وربما حان الوقت لكي تتحول إلى أداة نضالية ديمقراطية حقيقية، تمكن الشعب من الدفاع عن حقه في الرقابة والمحاسبة.
كما أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض على الأحزاب التي ترفع شعارات محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة أن تنتقل من الخطاب إلى الفعل، وأن تتبنى بشكل واضح وصريح مقترحات تعديل هذا المشروع، دفاعا عن دور المجتمع المدني، وعن حق المواطنين في مراقبة المال العام.
فلا معنى لأي خطاب سياسي حول النزاهة إذا كان ينتهي عمليا إلى تضييق مسالك التبليغ عن الفساد.
وفي الاخير، حين يقصى المجتمع من المشاركة تضعف الدولة نفسها. إن الدولة التي تضعف المجتمع المدني، وتهمش الشعب، وتفرغ المشاركة المواطنة من مضمونها، قد تكتشف مستقبلا أنها أضعفت أحد أهم مصادر قوتها الوطنية.
فالأوطان لا تحمى فقط بالمؤسسات الرسمية، بل أيضا بثقة المواطنين، وبإحساسهم بأنهم شركاء في القرار والرقابة والدفاع عن المصلحة العامة. وعندما يشعر المجتمع بأن صوته غير مسموع، وأن مبادراته محاصرة، وأن أدواره تتقلص باستمرار، فإن روح المشاركة الوطنية نفسها تبدأ في التآكل.
وقد تأتي لحظة تاريخية تكون فيها الدولة في حاجة إلى تعبئة شعبية حقيقية دفاعا عن المصلحة الوطنية، أو عن الاستقرار، أو عن وحدة البلاد، لكنها لن تجد ذلك الزخم المجتمعي المطلوب، لأن المواطن الذي جرى تهميشه طويلا يفقد تدريجيا شعوره بالشراكة والانتماء الفعلي في تدبير الشأن العام.
لهذا فإن الدفاع عن حق المجتمع المدني في مكافحة الفساد ليس قضية فئوية تخص الجمعيات وحدها، بل هو دفاع عن حيوية الأمة نفسها، وعن بناء مواطنة فاعلة تعتبر نفسها مسؤولة عن الوطن لا مجرد متفرجة عليه.
ومن هنا، فإن الواجب التاريخي يقتضي اليوم أن تأخذ القوى الحية في المجتمع، من نقابات وأحزاب وهيئات حقوقية وجمعيات وشخصيات أكاديمية وفكرية، بزمام المبادرة التشريعية الشعبية، عبر إطلاق عرائض وطنية وضغط ديمقراطي منظم، من أجل حماية حق المجتمع في الرقابة والمحاسبة، ومن أجل منع أي تشريع قد يتحول إلى مظلة قانونية تحمي الفساد والمفسدين تحت غطاء “تنظيم المساطر”.
*عثمان باقة*
عضو المجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.