عثلم يكن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن حماية الحق في الإضراب بموجب الاتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية حدثا قانونيا عاديا، بل شكل لحظة سياسية وحقوقية فارقة أعادت النقاش إلى جوهره الحقيقي: هل المطلوب من القانون أن ينظم ممارسة الحق، أم أن يحاصر هذا الحق ويجرده من فعاليته الاجتماعية والدستورية؟
لقد أعاد هذا القرار الدولي الاعتبار لفكرة أساسية طالما دافعت عنها الحركة النقابية المغربية، وفي مقدمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وهي أن الحق في الإضراب ليس مجرد امتياز إداري تمنحه الحكومة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل هو حق تاريخي وكوني ودستوري، ارتبط عضويا بنشأة الحركة العمالية الحديثة وبمعارك التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
لقد حذرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أثناء مناقشة مشروع القانون التنظيمي للإضراب، من خطورة “إنتاج نص يضع الدولة في مواجهة المجتمع”. وكان ذلك واضحا في مرافعاتها ومذكراتها ومواقفها، بل وحتى خلال جلسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان التي اختير لها أن تكون مغلقة أمام الإعلام، حيث تم التنبيه إلى أن المقاربة الأمنية أو التحكمية في تدبير الحقوق الاجتماعية لا يمكن إلا أن تنتج مزيدا من التوتر وفقدان الثقة داخل المجتمع.
فالخصوصية المغربية في هذا المجال لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها. فالحركة النقابية المغربية لم تولد داخل مكاتب الإدارة، ولم تصنعها السلطة، بل انتزعت وجودها وحقوقها انتزاعا منذ زمن الاستعمار الفرنسي، وقدمت تضحيات جسيمة من أجل تثبيت الحق في الإضراب وممارسته. كما أنها لم تكن فقط حركة مطلبية مرتبطة بالأجور وظروف العمل، بل شكلت جزءا من الحركة الوطنية والديمقراطية، وأسهمت في مقاومة الاستعمار، وفي الدفاع عن الحريات العامة، وفي مواجهة سنوات القمع والاستبداد.
ولذلك، فإن ما أثار رفضا واسعا داخل الأوساط النقابية والحقوقية هو أن الحكومات المغربية المتعاقبة، رغم كل التوترات السياسية التي عرفها المغرب، بما فيها ما سمي ب”سنوات الجمر والرصاص”، لم تنتج نصا تنظيميا للإضراب بمثل هذه الصيغة التي وصفتها الحركة النقابية بأنها “صيغة تكبيلية ” وتميل إلى تجريد الحق من مضمونه الفعلي.
إن جوهر الاعتراض لم يكن أبدا ضد مبدأ التنظيم القانوني، لأن كل حق داخل الدولة الحديثة يحتاج إلى تأطير يضمن التوازن بين الحريات ومتطلبات النظام العام واستمرارية المرافق الأساسية، ولكن الإشكال كان دائما في طبيعة هذا التنظيم وحدوده: هل هو تنظيم ييسر ممارسة الحق ويحميها، أم تنظيم يجعل الممارسة شبه مستحيلة عبر تراكم الشروط والإجراءات والعقوبات؟
واليوم، يأتي رأي محكمة العدل الدولية ليمنح بعدا دوليا وأخلاقيا وقانونيا لما كانت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ومعها “الجبهة الوطنية للدفاع عن حق الإضراب” تقوله منذ البداية. فحين تعتبر أعلى هيئة قضائية دولية أن الحق في الإضراب يدخل ضمن الحماية التي توفرها الاتفاقية 87، فإن ذلك يعني أن هذا الحق لم يعد مجرد نقاش تشريعي داخلي ضيق، بل أصبح جزءا من المنظومة الكونية للحقوق والحريات الأساسية.
ومن هنا، فإن الحكومة المغربية مطالبة اليوم بالتحلي بالشجاعة السياسية لإعادة فتح النقاش حول القانون التنظيمي للإضراب، بعيدا عن منطق المكابرة أو حسابات الأغلبية العددية. وليس في ذلك أي إحراج للدولة، بل على العكس، قد يشكل مؤشرا على نضج المؤسسات وقدرتها على تصحيح اختياراتها كلما تبين وجود اختلال في التوازن بين السلطة والحرية.
والواقع أن الجميع يدرك أن هذا القانون صدر تحت ضغط الباطرونا التي أصبحت تتحكم بشكل متزايد في القرار الحكومي، مستندة إلى أغلبية تشريعية فقدت في لحظات كثيرة روح النقاش الديمقراطي الحقيقي. ويكفي للتدليل على ذلك أن جلسة مناقشة القانون التنظيمي للإضراب داخل المؤسسة التشريعية لم يحضرها سوى عدد محدود جدا من النواب، لا يتجاوز أربعة وثمانون برلمانيين، في وقت يفترض أن الأمر يتعلق بأحد أهم القوانين الاجتماعية والسياسية في تاريخ المغرب الحديث، داخل مؤسسة تضم ما يقارب أربعمائة نائب.
إن هذا الغياب لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كان تعبيرا عن أزمة أعمق يعيشها الفعل السياسي والتمثيلي، حيث يتم أحيانا تمرير قوانين مصيرية بمنطق الانضباط والتحكم العددي لا بمنطق النقاش العمومي الحقيقي.
إن الدولة القوية ليست هي التي تخشى الإضراب، ولا التي تضع المجتمع تحت منطق الردع والتحكم الدائم، بل الدولة القوية هي التي تبني الثقة، وتحترم الوسائط الاجتماعية من نقابات و جمعيات و…..، وتؤمن بأن الاستقرار الحقيقي لا يصنع بالخوف، وإنما بالعدالة الاجتماعية والتوازن الديمقراطي.
ولهذا، فإن إعادة فتح النقاش حول قانون الإضراب اليوم لم يعد فقط مطلبا نقابيا، بل أصبح ضرورة سياسية ودستورية وأخلاقية، من أجل إعادة التوازن للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وحماية صورة المغرب كدولة اختارت، دستوريا، الانفتاح على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان والحريا



















