عاش الشارع المغربي قبيل العيد في عدد من أسواق الماشية، مشاهد تنتمي إلى سيناريوهات الصدمة والذهول؛ تدافعٌ غير مسبوق، مشادات وصراعات عنيفة، وتبادل للحجارة وسط فوضى عارمة كادت أن تعصف بالسلم الاجتماعي في لحظة شعائرية يفترض فيها السكينة والتضامن.
هذه المظاهر المشحونة بالغليان لم تكن وليدة صدفة، بل جاءت نتيجة مباشرة لـ “فجوة الثقة” التي تعمقت بين خطاب رسمي مطمئن وواقع ميداني حارق اتسم بنقص حاد في العرض واشتعال صاروخي في الأسعار.
لقد انطلق المواطن المغربي في تدبيره لـ “شعيرة العيد” من قاعدة الثقة في مؤسساته؛ حيث خرجت تصريحات متطابقة، وعلى أعلى المستويات من وزير الفلاحة بمعية رئيس الحكومة، تؤكد بـ “لغة الأرقام واليقين” أن الأسواق ستشهد وفرة كبيرة تغطي الطلب وزيادة.
وبناءً على هذه الضمانات الشفهية الرسمية، اختارت فئات واسعة من المغاربة التريث وتأجيل الشراء إلى الأيام الثلاثة الأخيرة تفادياً لمصاريف العلف والوسطاء. لكن الصدمة كانت عنيفة بأسواق خلت من الوفرة الموعودة في اللحظات الحاسمة، وعرفت ارتفاعاً قياسياً في الأسعار فاق كل التوقعات، لتتحول نقط البيع إلى حلبات صراع وتدافع مهين لكرامة المواطن. وهي مشاهد، بكل أسف، تسيء بصورة بالغة لصورة المغرب الخارجية وهو مقبل على استحقاقات دولية كبرى ككأس العالم، حيث تسعى المملكة لتكريس صورة بلد الأمن، الاستقرار، والجاهزية اللوجستية والتنظيمية.
أمام هذا المشهد الذي هدد الأمن العام، يطرح السؤال القانوني والحقوقي نفسه بقوة: هل يكفي التلويح بالاستقالة أو الإقالة السياسية لجبر ضرر الغليان الشعبي؟ إن المبدأ الدستوري الثابت في مغرب اليوم هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعندما تؤدي تصريحات رسمية “مغلوطة” أو غير دقيقة إلى إحداث اضطراب في النظام العام وتضليل الرأي العام بالشكل الذي يهدد سلامة المواطنين وممتلكاتهم، فإن الأمر يتجاوز حدود “الخطأ السياسي” العابر إلى نطاق المسؤولية التقصيرية والقانونية. فالوزير، ومهما علت مرتبته في الهرم التنفيذي، ليس فوق القانون، والخطاب الرسمي الحامل لصفة “المسؤولية” يُلزم صاحبه بالدقة والمصداقية، لأنه يوجه سلوك ومصالح ملايين البشر.
من هذا المنطلق، يصبح تحريك المتابعة القضائية في مثل هذه النازلة ليس مجرد مطلب ظرفي، بل هو آلية ضرورية لرد الاعتبار لثقة المواطن في التصريحات والمؤسسات الرسمية، وقطع دابر الإفلات من العقاب التسييري، مع تأكيد أن الحقائب الوزارية تكليف تترتب عليه تبعات جنائية ومدنية إذا ما أدى التقصير إلى نتائج كارثية، فضلاً عن تأسيس سابقة قانونية تدفع كل مسؤول مستقبلي إلى تزنير كلماته بميزان الجدية والواقعية قبل إطلاق وعود لا يسندها الميدان.
إن رحيل المسؤول عن منصبه، سواء استقال أو أُقيل، يظل إجراءً سياسياً “بروتوكولياً” لا يستوعب حجم الضرر النفسي والمالي والاجتماعي الذي لحق بالأسر المغربية؛ فالاستقالة في عمقها هي اعتراف بالفشل، لكن المتابعة القضائية هي التجسيد الفعلي لدولة الحق والقانون.
امام كل الأحداث التي شاهدها المغاربة والعالم ..، وجب الانتقال من منطق العتاب السياسي والترقيع التواصلي إلى منطق المساءلة القضائية الصارمة، لأن كرامة المواطن واستقرار الوطن هما الخط الأحمر الذي لا يمكن أن تطاله تصريحات غير محسوبة العواقب.



















