من ديكور المناسبات إلى صوت المواطن.. حين يستعيد الفاعل الجمعوي دوره الحقيقي

4 أكتوبر 2026
من ديكور المناسبات إلى صوت المواطن.. حين يستعيد الفاعل الجمعوي دوره الحقيقي

*بقلم محمد بوكيوض*

أصبح الفعل الجمعوي اليوم أمام مسؤولية تتجاوز حدود تنظيم الأنشطة والمشاركة في المناسبات، ليمتد إلى الترافع عن قضايا المواطنين، والمساهمة في التنمية المحلية، وتأطير الشباب ومواكبتهم، وتعزيز ثقافة المشاركة والمسؤولية داخل المجتمع.

لم يعد حضور الفاعل الجمعوي يقاس بعدد المناسبات التي شارك فيها أو الصور التي ظهر فيها، وإنما بمدى حضوره في الميدان، وقدرته على الإنصات لانشغالات المواطنين، ونقل مطالبهم، واقتراح الحلول، وتتبع القضايا التي تهم الحياة اليومية للساكنة.

فالفاعل الجمعوي الحقيقي هو من يضع المصلحة العامة في صلب اهتمامه، ويرى في الترافع وسيلة للتنبيه والاقتراح والمطالبة بالنتائج، وليس أداة للصراع أو تصفية الحسابات.

*الترافع.. مساءلة واقتراح وتتبع*

يشكل الترافع المدني أحد الأدوار الأساسية التي يمكن أن يضطلع بها المجتمع المدني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا التنمية والخدمات والمشاريع المحلية.

فطرح الأسئلة حول المشاريع والبرامج، والاستفسار عن أسباب التأخر أو التعثر، ونقل انتظارات المواطنين إلى الجهات المختصة، كلها ممارسات تندرج ضمن العمل المدني المسؤول، شريطة أن تتم في إطار القانون والاحترام، وبعيداً عن الاتهامات غير المبنية على معطيات موثوقة.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُفهم الترافع باعتباره خصومة مع المسؤول، كما لا ينبغي أن يتحول العمل الجمعوي إلى مجرد تصفيق للمسؤول. فالعلاقة السليمة بين المؤسسات والمجتمع المدني تقوم على الحوار والتعاون، مع احتفاظ كل طرف بدوره ومسؤوليته.

*الشباب.. رهان أساسي للمجتمع المدني*

إلى جانب الترافع، يبرز تأطير الشباب ومواكبتهم كأحد أهم الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الفاعل الجمعوي.

فالشباب يمثلون طاقة بشرية وإبداعية مهمة، غير أن هذه الطاقات تحتاج إلى التأطير والتوجيه وفضاءات مناسبة للتعلم والمبادرة والمشاركة.

ومن هنا تبرز أهمية تنظيم برامج للتكوين وتنمية المهارات، وتشجيع المواهب، ودعم المبادرات الشبابية، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في الأنشطة والمشاريع الجمعوية، بما يعزز لديهم روح المواطنة والعمل الجماعي.

فالعمل الجمعوي الناجح لا يكتفي بتنظيم نشاط لفائدة الشباب، وإنما يسعى إلى بناء قدراتهم ومواكبتهم وتحويل طاقاتهم إلى مبادرات تخدم المجتمع.

*من الحضور في المناسبات إلى الحضور في الميدان*

ويبقى التحدي الحقيقي أمام العمل الجمعوي هو الانتقال من الحضور الشكلي إلى صناعة الأثر.

فالمناسبات والأنشطة تظل جزءاً مهماً من الحياة الجمعوية، لكنها لا يمكن أن تكون الغاية الوحيدة. فالمطلوب هو أن تكون الجمعية حاضرة أيضاً في القضايا اليومية للمواطن، وأن تساهم في النقاش العمومي، وأن تقترح الحلول، وأن تتابع المشاريع، وأن تنقل صوت الساكنة بكل مسؤولية.

كما أن المجتمع المدني ليس بديلاً عن المؤسسات المنتخبة أو السلطات العمومية، لكنه شريك أساسي في التنمية، ويمكنه أن يساهم في تشخيص الإشكالات واقتراح البدائل ومواكبة المبادرات.

*المواطن أولاً!*

إن قوة الفعل الجمعوي لا تكمن في القرب من المسؤول أو في الظهور خلال المناسبات، وإنما في الاستقلالية والوضوح والمصداقية والقدرة على خدمة الصالح العام.

فالفاعل الجمعوي الذي ينصت للمواطن، ويترافع عن قضاياه، ويؤطر الشباب، ويشجع المبادرات، ويتابع الملفات المحلية، ويثمن الإيجابي وينبه إلى مكامن الخلل، يساهم فعلياً في بناء مجتمع أكثر وعياً ومشاركة.

وفي نهاية المطاف، يبقى معيار نجاح أي تجربة جمعوية مرتبطاً بما تتركه من أثر على أرض *الواقع: ماذا قدمت؟ ماذا تابعت؟ ماذا اقترحت؟ وماذا تغير بفضلها؟*

فالمجتمع المدني الفاعل ليس ديكوراً في المناسبات، ولا رقماً لتجميل المشهد، بل هو صوت للمواطن، ورافعة للشباب، وشريك حقيقي في التنمية وصناعة الأثر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.