لا يزال ملف مصفاة “سامير” لتكرير البترول بالمحمدية، وقرار تحرير أسعار المحروقات، يشكلان معاً واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث. ولعل القراءة المتأنية لمسار هذا الملف تكشف، بكل أمانة تاريخية، أن الوضع الحالي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سلسلة من القرارات والسياسات التي نهجتها ثلاث حكومات متتالية، تباينت شعاراتها وتوحدت نتائجها في تعميق الأزمة.
عهد بنكيران: الصدمة المزدوجة (توقف الإنتاج والتحرير)
شهدت الولاية الحكومية لعبد الإله بنكيران (2011-2016) المنعطف الأخطر في هذا الملف. ففي أغسطس 2015، أعلنت إدارة شركة “سامير” (التي كان يسيرها العمودي) عن توقف الإنتاج بصفة مفاجئة بسبب تراكم الديون التي تجاوزت 40 مليار درهم. عجزت الحكومة حينها عن إيجاد تسوية استباقية تحمي الأمن الطاقي للمملكة، ليتحول الملف سريعا إلى القضاء التجاري الذي قضى بالتصفية القضائية في مارس 2016.
ولم تكد تمر أشهر قليلة على توقف المصفاة، حتى اتخذت حكومة بنكيران في ديسمبر 2015 قراراً حاسماً بـالتحرير الكلي لأسعار المحروقات (البنزين والغازوال)، ورفع الدعم عنها نهائياً في إطار إصلاح صندوق المقاصة. هذا القرار، الذي وُصف بـ”الجريء” سياسياً، جرى تطبيقه دون وضع آليات ضبط ومراقبة مرنة، وفي غياب تام لأي منافسة وطنية بعد شلّ حركة مصفاة المحمدية، مما ترك المستهلك المغربي في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الدولية وجشع شركات التوزيع المحلية.
ولاية العثماني: الفرص الضائعة والرفض الممنهج
امتدت الأزمة إلى عهد حكومة سعد الدين العثماني (2017-2021)، والتي اتسمت سياستها تجاه الملف بالتردد وتفويت الفرص. ففي هذه المرحلة، تقدمت المركزيات النقابية ومجموعات نيابية بمقترحات قوانين تروم تفويت أصول شركة “سامير” لحساب الدولة المغربية (تأميم جزئي أو كلي لحماية الأمن الطاقي) وإعادة تنظيم أسعار المحروقات عبر نظام المقايسة أو التحديد القبلي لهوامش الربح. إلا أن حكومة العثماني رفضت بشكل قاطع مناقشة هذه المقترحات داخل البرلمان.
وحتى عندما أتاحت المحكمة التجارية فرصة كراء خزانات الشركة لفائدة الدولة في سنة 2020 (استغلالاً لظرفية كورونا وانهيار أسعار النفط عالمياً لتكوين مخزون استراتيجي رخيص)، لم تفعّل الحكومة هذا القرار وبقيت الخزانات الهائلة لـ”سامير” معطلة. كما رفضت حكومة العثماني تفعيل خيار “تسقيف أسعار المحروقات” كإجراء مؤقت لـتخفيف العبء المالي عن المواطنين، رغم تقرير اللجنة الاستطلاعية البرلمانية الشهير الذي كشف عن أرباح فاحشة لشركات المحروقات
.
أغلبية أخنوش: رصاصة الرحمة على المقترحات التشريعية
مع مجيء الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، تضاعفت الآمال في إنهاء هذا البلوكاج نظراً لوعود “الدولة الاجتماعية”. لكن القوانين الحسابية والسياسية داخل المؤسسة التشريعية سارت في اتجاه آخر.
فقد أسقطت الأغلبية الحكومية الحالية، وبشكل حاسم داخل مجلس المستشارين، مقترحي القانونين المتعلقين بتنظيم أسعار المحروقات وبتفويت أصول مصفاة “سامير” للدولة. وبررت الحكومة موقفها بأن الملف معقد ومعروض على التحكيم الدولي (المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار – إكسيد)، وأن أي خطوة نحو التأميم قد تكلف ميزانية الدولة مبالغ طائلة وتؤثر على مناخ الاستثمار. غير أن هذا الموقف اعتبره الفاعلون النقابيون بمثابة “رصاصة رحمة” على المجهودات التشريعية لحلحلة الأزمة من الداخل.



















