عاد اسم شكيب بنموسى ليتصدر النقاش العمومي، عقب تعيينه مندوباً سامياً للتخطيط خلفاً لـ أحمد لحليمي علمي، في خطوة فتحت الباب أمام سيل من التعليقات والتأويلات السياسية، بعضها ذهب بعيداً في توجيه اتهامات مجانية للرجل، واعتبار أن المؤسسة قد تتحول إلى أداة لخدمة الحكومة أو جناح سياسي بعينه.
هذا النوع من النقاش، وإن كان طبيعياً داخل أي مجتمع يعيش حركية سياسية وإعلامية، إلا أنه يتحول أحياناً إلى مجرد “كريتيك سياسي” يفتقد للحجة والمعطيات الدقيقة، خاصة حين يتعلق الأمر بمؤسسة تقنية تقوم أساساً على لغة الأرقام والمعطيات والإحصائيات، وليس على منطق الاصطفاف الحزبي أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
اتهام مسؤول بحجم شكيب بنموسى بخدمة أجندة سياسية معينة، دون تقديم أدلة واضحة للرأي العام، يبقى مجرد كلام مرسل لا يمكن التعامل معه كحقيقة. فالمندوبية السامية للتخطيط ليست صفحة فايسبوكية لتصريف المواقف السياسية، بل مؤسسة دستورية تعتمد مناهج علمية ومعايير دولية في إنجاز الدراسات والإحصاءات المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع والتشغيل ومستوى العيش وغيرها من المؤشرات.
ثم إن الرجل راكم تجربة طويلة داخل دواليب الدولة، سواء في وزارة الداخلية أو التربية الوطنية أو في ملفات استراتيجية مختلفة، ما يجعله من الأسماء التي اشتغلت دائماً داخل منطق المؤسسات، بغض النظر عن اختلاف المواقف حول بعض القرارات أو السياسات التي ارتبطت بفترات تدبيره.
المشكل الحقيقي اليوم ليس في اسم المسؤول الذي يقود المؤسسة، بل في الطريقة التي أصبح البعض يتعامل بها مع الأرقام نفسها. حين تكون المعطيات في صالح خطاب معين يتم الاحتفاء بها، وحين تكشف واقعاً مغايراً تبدأ حملات التشكيك والتخوين. والحال أن لغة الأرقام تختلف كثيراً عن لعبة المزايدات السياسية، لأن الإحصائيات لا تبنى على الانطباعات ولا على الرغبات، بل على معطيات ميدانية وآليات اشتغال دقيقة.
من حق الجميع مراقبة عمل المندوبية وانتقاد تقاريرها ومناقشة خلاصاتها، لكن من الواجب أيضاً ترك المؤسسة تشتغل بعيداً عن الأحكام المسبقة. فالأيام القادمة كفيلة بإظهار حقيقة الأداء، ومدى استقلالية المؤسسة في التعاطي مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المغاربة.
أما إطلاق الاتهامات بالمجان، فلن يخدم النقاش العمومي في شيء، بقدر ما سيزيد من تعميق منسوب التشكيك في المؤسسات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نقاش مسؤول يقوم على الوقائع والمعطيات، لا على التخمينات والانطباعات السياسية السريعة.



















