في مجلس المستشارين… حين انتصر الوضع القائم وخسر المواطن

منذ ساعة واحدة
في مجلس المستشارين… حين انتصر الوضع القائم وخسر المواطن

بقلم: فتح الله حافظي

لم يكن التصويت الذي شهده مجلس المستشارين مساء الثلاثاء 16 يونيو 2026 مجرد محطة تشريعية عادية، بل كان لحظة سياسية كاشفة، سقطت فيها الكثير من الشعارات وظهرت فيها حقيقة الاصطفافات بعيداً عن لغة الدفاع عن القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية التي تملأ الخطب والبيانات.
فخلال الجلسة العامة، أسقط المجلس مقترحي قانونين يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة تكرير البترول “سامير” لفائدة الدولة المغربية. وكانت النتيجة واضحة: 29 مستشاراً صوتوا ضد المقترحين، مقابل 10 أصوات مؤيدة، مع تسجيل امتناع مستشار واحد فقط.
وربما لا تكمن أهمية الأرقام في ذاتها، بل فيما تعكسه من اختيارات سياسية واقتصادية. فعندما يتعلق الأمر بمبادرات تروم الحد من ارتفاع أسعار المحروقات أو إعادة فتح النقاش حول استرجاع أداة استراتيجية من حجم “سامير”، تتوحد مكونات الأغلبية الحكومية بسرعة لافتة، وتختفي الخلافات المعتادة، ليصبح الدفاع عن الوضع القائم أولوية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى.
الأكثر دلالة أن مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كانت قد أعادت إلى الواجهة سبعة مقترحات قوانين ظلت معروضة منذ سنة 2022. وخلال مناقشتها الأولية داخل اللجنة المختصة الأسبوع الماضي، تم تمريرها بحضور ستة أعضاء فقط من المعارضة، في حين غابت فرق الأغلبية الحكومية بالكامل عن أشغال اللجنة. لكن ما إن وصل الأمر إلى الجلسة العامة حتى عاد الجميع للحضور والتصويت، ليس من أجل تطوير المقترحات أو تجويدها، بل من أجل إسقاطها.
هنا يحق للمواطن أن يتساءل: أين كانت هذه الأغلبية عندما كان النقاش التشريعي جارياً داخل اللجنة؟ ولماذا لم تُبدِ الحماس نفسه لمناقشة المقترحات كما أبدته لاحقاً في التصويت ضدها؟ أليس في ذلك ما يكشف أن الهدف لم يكن النقاش بقدر ما كان الحسم المسبق في مصير هذه المبادرات؟
لقد كان المقترح المتعلق بتسقيف أسعار المحروقات يلامس واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في حياة المغاربة. فأسعار الوقود لم تعد مجرد أرقام تُعرض على لوحات محطات التوزيع، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات وفي القدرة الشرائية للأسر بشكل عام. ومع ذلك، اختارت الأغلبية أن تبعث برسالة واضحة مفادها أن السوق يجب أن يستمر كما هو، وأن المواطن مطالب بمواصلة تحمل الأعباء وحده.
أما ملف “سامير”، فقد تحول منذ سنوات إلى رمز لغياب الإرادة السياسية في معالجة قضية ترتبط بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية. وفي وقت تسعى فيه دول العالم إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية والتخزينية لمواجهة التقلبات الدولية، ما زال النقاش في المغرب يصطدم بحسابات ضيقة تجعل استمرار الوضع الراهن خياراً مفضلاً لدى بعض مراكز القرار.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن المقترحين لم يحظيا بالدعم إلا من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل والحركة الشعبية والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، بينما اختارت مكونات الأغلبية الحكومية الاصطفاف في الجهة المقابلة، في خطوة بدت مناقضة لانتظارات فئات واسعة من المواطنين الذين يرزحون تحت وطأة الغلاء.
لقد كان التصويت في جوهره تصويتاً على سؤال بسيط: هل ينبغي حماية المواطن أم حماية الوضع القائم؟ والجواب جاء واضحاً داخل قبة مجلس المستشارين.
لقد انتصر منطق المحافظة على التوازنات القائمة، وانتصرت مصالح المستفيدين من استمرارها، بينما خسر المواطن جولة جديدة في معركته اليومية مع الأسعار المرتفعة.
والتاريخ السياسي لا يتذكر فقط من تحدث باسم الشعب، بل يتذكر أيضاً من صوت عندما حانت لحظة الاختيار. ففي نهاية المطاف، ليست الخطب هي التي تصنع الذاكرة السياسية، بل المواقف. وما حدث في مجلس المستشارين سيبقى شاهداً على لحظة اختارت فيها الأغلبية حماية الواقع القائم ومصالح اللوبيات المرتبطة به، بدل الانحياز إلى مطالب المغاربة الباحثين عن بعض الإنصاف في زمن الغلاء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.