الترحال الحزبي قبيل الاستحقاقات الانتخابية: قراءة في تحول الأحزاب إلى محطات عبور

منذ ساعتين
الترحال الحزبي قبيل الاستحقاقات الانتخابية: قراءة في تحول الأحزاب إلى محطات عبور
كلاش بريس / مصطفى بن منصور

تشهد الساحة السياسية قبيل كل موعد انتخابي بروز ظاهرة الترحال الحزبي، بوصفها إحدى مظاهر الاضطراب البنيوي التي تصيب الحقل الحزبي. وتتمثل هذه الظاهرة في انتقال عدد من الفاعلين السياسيين من حزب إلى آخر بسهولة لافتة، دون أن يكون ذلك ناتجاً عن تحول فكري أو مراجعة أيديولوجية، بل بدافع السعي إلى نيل تزكية انتخابية لم تتحقق في التنظيم السابق، أو بحثاً عن منصة جديدة تتلاءم مع الطموح الشخصي.

في مثل هذا السياق، تغيب المقومات الجوهرية للعمل السياسي المؤس. يتراجع مفهوم البرنامج السياسي كمرجعية للفعل الانتخابي، وتضعف الاعتبارات الأيديولوجية التي من المفترض أن تشكل إطاراً نظرياً وبوصلة توجه الأداء السياسي. يصبح التمايز بين التيارات السياسية من يمين ويسار، ومحافظ وتقدمي، أمراً شكلياً بلا مضمون، إذ تتساوى المواقف وتتداخل الخطابات في ظل هيمنة منطق المصلحة الشخصية الضيقة كمحرك أساسي للانتقال.

إن تحول الحزب السياسي من مؤسسة للتأطير والتكوين إلى مجرد محطة عبور انتخابية يفضي إلى تفكيك وظيفته التاريخية. فالحزب، من منظور علم السياسة، هو تنظيم دائم يسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها عبر وسائل ديمقراطية، ويمتلك مشروعاً مجتمعياً محدد المعالم. غير أن تحوله إلى فضاء مفتوح أمام الانتقالات الفردية العابرة، يجرده من هويته ويحوله إلى إطار شكلي يفتقر إلى التجانس الفكري والتماسك التنظيمي.

تتجلى تداعيات هذه الظاهرة على مستويات متعددة. على مستوى الفاعل السياسي، يؤدي الترحال المتكرر إلى إضعاف الشعور بالانتماء، وتفكيك العلاقة التعاقدية بين المناضل ومبادئ حزبه. ويتحول الولاء من المشروع الجماعي إلى المكاسب الفردية الآنية. أما على مستوى التنظيم الحزبي، فإن استقبال كتل بشرية ذات خلفيات فكرية متباينة دون آليات تأطير حقيقية، يولد حالة من السيولة الأيديولوجية، ويجعل الحزب عاجزاً عن تقديم خطاب متماسك أو برنامج قابل للتحقق.

من زاوية تحليلية أعمق، يمكن اعتبار الترحال الحزبي مؤشراً على أزمة التمثيل السياسي في حد ذاتها. فحين تتحول العملية الانتخابية إلى سوق للتفاوض على المواقع والامتيازات، تتراجع الوظيفة التمثيلية إلى مجرد تبادل مصالح بين النخب. ويصبح الولوج إلى المؤسسات المنتخبة غاية لا وسيلة، مما يفرغ العمل البرلماني والجماعي من محتواه التدبيري والتشريعي. وفي هذا السياق، تفقد الديمقراطية التمثيلية أحد أعمدتها الأساسية، وهو الارتباط العضوي بين إرادة الناخب والقرار السياسي.

إضافة إلى ذلك، تساهم هذه الظاهرة في إعادة إنتاج نخبة سياسية متحركة لا تملك ذاكرة تنظيمية ولا تراكماً نضالياً. فالفاعل الذي ينتقل بين الأحزاب وفق الحسابات الموسمية لا يبني علاقة طويلة الأمد مع القاعدة الشعبية، ولا يخضع لعمليات المحاسبة الداخلية التي تفرضها الهياكل الحزبية. وبذلك يغيب جيل من السياسيين المؤطرين لصالح جيل من المقاولين الانتخابيين الذين يتعاملون مع السياسة كفرصة استثمارية موسمية، لا كالتزام مجتمعي مستمر.

أما على مستوى العلاقة بين الناخب والممثل، فإن الترحال الحزبي يحدث قطيعة مع مبدأ المساءلة السياسية. فالناخب الذي منح صوته بناءً على برنامج أو تصور فكري معين، يجد نفسه أمام منتخب غير المنظومة القيمية التي اختارها. وبذلك تتآكل الثقة في المؤسسات التمثيلية، ويتراجع الإقبال على المشاركة السياسية، باعتبار أن التصويت لا يفضي إلى نتائج مطابقة للإرادة الانتخابية.

لمعالجة هذه الظاهرة، يقتضي الأمر مقاربة مركبة تجمع بين البعد القانوني والبعد التربوي. من الناحية التشريعية، تبرز الحاجة إلى سن ضوابط تحد من حرية الانتقال الحزبي بعد الانتخابات، وتربط التمثيل السياسي بالانتماء الحزبي الذي جرت على أساسه الانتخابات. أما من الناحية التربوية، فالأمر يتطلب إعادة الاعتبار للعمل الحزبي باعتباره فعلاً قائماً على الالتزام والتراكم، لا على الانتهازية والعبور. كما أن ترسيخ الوعي لدى المواطن بأهمية ثبات المرشح على مبادئه يعد رافعة أساسية للحد من هذه الممارسة.

خلاصة القول، إن تحويل الأحزاب إلى محطات عبور يمثل انحرافاً عن الوظيفة الأصلية للتنظيم السياسي، ويهدد أسس البناء الديمقراطي. فالديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع، بل تقوم قبل ذلك على أحزاب ذات مبادئ واضحة ومناضلين ثابتين على قناعاتهم. ولذلك، فإن استعادة معنى الانتماء الحزبي شرط ضروري لإعادة الاعتبار للفعل السياسي، ولضمان أن يظل الحزب بيتاً للمشروع لا فندقاً للعابرين.

لمواجهة ظاهرة الترحال الحزبي ومعالجة جذورها، يمكن اقتراح جملة من التوصيات العملية. أولاً، ضرورة إرساء آليات قانونية صارمة تسقط العضوية الانتخابية تلقائياً عن كل منتخب يغير انتماءه الحزبي بعد الاقتراع، إلا في حالات الانشقاق الجماعي المبني على أسباب مبدئية معلنة. ثانياً، تشديد شروط الترشيح داخل الأحزاب وربط التزكية بمسار تنظيمي واضح يمر عبر هياكل القاعدة، لضمان أن يكون المرشح ممثلاً حقياً للمشروع الحزبي وليس مجرد وافد جديد. ثالثاً، تفعيل دور القضاء الدستوري والمجالس الجهوية للحسابات في مراقبة تمويل الأحزاب ومحاسبة التنظيمات التي تفتح أبوابها للترحال دون معايير. رابعاً، الاستثمار في التربية السياسية للمواطن عبر الإعلام والتعليم، لتمكينه من تقييم مسار المرشح التاريخي ومعاقبة المتحولين انتخابياً عبر سلاح المقاطعة الواعية. فبدون إرادة جماعية من المؤسسات والنخب والمواطنين، ستظل الأحزاب رهينة منطق العبور، وسيظل البناء الديمقراطي ناقصاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.