على غير العادة، اتصل بي في ذلك الصباح. لم تكن هناك مقدمات ولا مجاملات عابرة، بل جاءني السؤال مباشرة ملفوفا بثوب من اللوم والعتاب:
“مالك مع الرايسة؟”
ابتسمت وأنا أستمع إليه، لأن السؤال يتكرر كلما اشتد النقد وضاقت مساحة التصفيق. فكان جوابي واضحاً: ليست لي مع السيدة الرئيسة أي مشكلة شخصية، ولا أبحث لديها عن امتياز أو مصلحة أو موقع. لم أطرق بابها يوماً طلباً لمنفعة خاصة، ولم أنتظر منها مقابلاً حتى أُتهم اليوم بأنني أعارضها لأنني لم أنل ما أريد.
أحترمها كإنسانة، وأقدرها كامرأة وصلت إلى موقع المسؤولية، كما أحترم جميع نساء هذا الوطن. لكن الاحترام الواجب للأشخاص شيء، وتقييم أدائهم في تدبير الشأن العام شيء آخر تماماً. فالمنتخب لا يُحاسَب على شخصه، بل على قراراته وحصيلته وقدرته على خدمة المواطنين.
وحين حاول صاحبي أن يلتمس لها الأعذار، قال إن بعض القرارات لا تصنعها الرئيسة وحدها، وتمة جهات أخرى، ربما تتقاسم معها نفس البناية، تُوجّه وتضغط وتفرض اختياراتها، بينما تتحمل هي وحدها تبعات الغضب الشعبي والانتقادات. واستشهد بما جرى في ملف كشك “الفرفوش” وغيره من الملفات التي أثارت الكثير من علامات الاستفهام داخل المدينة.
قلت له: إذا كان الأمر كذلك، فلا بأس. بل إنني مستعد لتفهم هذا الطرح، وأكثر من ذلك، إذا كانت الرئيسة تتحمل فعلاً مسؤولية قرارات لم تكن هي صاحبتها ، فسأكون أول من يقف إلى جانبها ليس دفاعا عنها، بل دفاعا عن استقلالية القرار المحلي واحترام المؤسسات المنتخبة. لكن لكل ادعاء ما يسنده، ولكل رواية ما يثبتها.
لكنني أختلف معها أيضاً في جانب آخر لا علاقة له بوجود “جهات أخرى” أو عدمه. أختلف معها حين تتحول أعمال بسيطة تدخل في صميم اختصاصات الجماعة، ومن صلب المهام اليومية لأي تدبير محلي، إلى مشاريع استثنائية تستوجب الإشادة والتصفيق وتعبئة جوقة المادحين، وكأن المدينة عاشت تحولاً تاريخياً.
فإصلاح شارع، أو معالجة اختلال، أو القيام بخدمة تدخل ضمن الواجبات العادية للجماعة، ليس منّة على المواطنين ولا إنجازاً خارقاً يحتاج إلى مواكب إعلامية وتطبيلا و “العمارية”. المسؤولية الانتخابية ليست حفلاً دائماً للاحتفاء، بل هي التزام يومي بأداء المهام التي من أجلها وُضع المسؤول في موقعه.
المشكلة ليست في إنجاز العمل، بل في تضخيم العادي وتحويله إلى استثناء، وفي محاولة إقناع الناس بأن كل إجراء إداري بسيط هو فتح جديد، بينما المواطن يقيس الأمور بما يراه ويلمس أثره في حياته اليومية.
هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كانت الرئيسة معذورة، فمن يدبر الشأن المحلي؟
إذا كانت بعض القرارات تُصنع خارج دائرة المنتخبين، فمن يتخذها؟ وإذا كانت هناك جهات أخرى تملك سلطة التأثير والتوجيه والحسم، فلماذا لا يعرف المواطنون هويتها؟ ولماذا يُطلب منهم أن يحاسبوا واجهة القرار بينما يظل صانع القرار الحقيقي، إن وجد، بعيداً عن الأضواء والمساءلة؟
هل تملك الرئيسة الجرأة السياسية لتقول ذلك للرأي العام؟ هل تستطيع أن تكشف للساكنة من يتدخل في اختصاصاتها ومن يفرض بعض الاختيارات المثيرة للجدل؟ وهل تملك الشجاعة لتضع أمام المواطنين ما يفيد أن بعض الملفات لم تكن خيارها أو خيار المجلس الذي ترأسه؟
فالمواطن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن تصفية الحسابات. كل ما يريده هو الحقيقة. لأن السياسة لا تُدار بالهمس في الكواليس، ولا بالتلميحات المتداولة في المجالس الخاصة، بل بالمواقف الواضحة والحقائق المعلنة.
أما أن يقال لنا إن هناك من يقرر في الخفاء، ثم يطلب منا في العلن أن نصفق لمن ينفذ، فذلك لا يستقيم مع أبسط قواعد المسؤولية والمحاسبة. فالنجاح يُنسب دائماً إلى المسؤولين المنتخبين، أما الفشل فيتحول فجأة إلى مجهول الهوية، وتبدأ رحلة البحث عن “جهات أخرى” لا اسم لها ولا عنوان.
مشكلتي ليست مع الرئيسة كشخص، بل مع واقع مدينة تتكاثر فيها الأسئلة وتتناقص فيها الأجوبة. مع مشاريع يُعلن عنها كثيراً، لكن أثرها في حياة المواطنين يظل محدوداً. مع قرارات تثير الجدل أكثر مما تثير الاقتناع. ومع تدبير يجعل المواطن يسمع عن الإنجازات أكثر مما يلمسها في شوارع المدينة ومرافقها وأسواقها.
المؤسف أن بعض المدافعين عن الوضع القائم لا يناقشون جوهر النقد، بل ينشغلون بالبحث عن نوايا من يوجهه. لا يسألون إن كانت الملاحظات صحيحة أم خاطئة، بل يسألون: لماذا قالها؟ وكأن المشكلة ليست في القرار، بل في من تجرأ على مساءلته.
لقد ترسخت لدينا ثقافة تعتبر النقد خصومة، والمساءلة استهدافاً، والمطالبة بالتوضيح نوعاً من التمرد. والحال أن المسؤولية العمومية لا تمنح أحداً حصانة من النقد، بل تجعله مطالباً أكثر من غيره بتقديم الأجوبة وتحمل نتائج اختياراته.
لذلك، حين يسألني أحدهم: “مالك مع الرايسة؟”، أجيبه بكل هدوء: ليست لي مشكلة مع الرايسة، بل مع الغموض الذي يلف بعض القرارات، ومع واقع مدينة تستحق وضوحاً أكبر وحكامة أفضل.
فإن كانت صاحبة القرار، فلتتحمل مسؤوليتها كاملة أمام المواطنين. وإن كانت معذورة فعلاً، كما يقول البعض، فلتكشف للناس من يدبر الشأن المحلي ومن يملك الكلمة الأخيرة في الملفات التي تهمهم.
لأن السؤال الذي أصبح يفرض نفسه اليوم ليس: “مالك مع الرايسة؟”
بل: إذا كانت الرايسة معذورة… فمن يدبر الشأن المحلي؟



















